الديمقراطية التشاورية عند هابر ماس

نوع المستند : المقالة الأصلية

المؤلف

قسم الفلسفة- کلية البنات - جامعة عين شمس

المستخلص

يعد يورغن هابرماس علامة فارقة في الحياة السياسية الألمانية المعاصرة لأنه رائد الخطاب النقدي ، الفلسفي منه والسياسي علي حد سواء . کما أنه الصوت الأکثر حضورا وتأثيرا علي الحياة الثقافية الألمانية منذ خمسون عاما . وتبرز أهمية مشروع هابرماس في التواصل الاجتماعي ونقد الديمقراطية التمثيلية وتحرير الإنسان من قبضة العقل الأداتي والتشيؤ والاغتراب والسلعية بالعودة إلي مشروع الحداثة بعد تحريره من نير الذاتية والعلموية . أعاد هابر ماس إذن الثقة في الحداثة الغربية بالکشف عن منطق أخر في التطور يمثل عقلانية تواصلية أدت إلي زيادة العقلنة الاجتماعية في الأخلاق والقانون وإلي ظهور تنظيمات ديمقراطية.اقترح هابرماس _من منظور علم الاجتماع _ نظرية ديمقراطية (الديمقراطية التشاورية ) ترتکز علي مفهوم المداولة والحوار وإطلاق السلطة التواصلية . وقد أعاد هابرماس النظر في طبيعة الدولة الدستورية الحديثة و تأسيس مفهوم السلطة ، وتحرير القانون من نفوذ نظرية السيادة من منظور سوسيو قانوني من خلال توليد السلطة التواصلية وعبر آليات المداولة والحوار باعتبارها أساس شرعية القوانين. وتعامل هابرماس مع المجال العام السياسي في هذا السياق باعتباره البنية التواصلية المتجذرة في العالم المعيش من خلال روابط المجتمع المدني التطوعية ويکتسب هذا المجال صفته السياسية من قدرته علي التعبير عن المشکلات التي لا يمکن حلها إلا من خلاله حيث يعتبر هذا المجال ساحة للتفاعل بين المصالح والانحيازات الاجتماعية .
ويضم هذا البحث مقدمة وخاتمة وعدة مباحث يکمل بعضها البعض على النحو التالي: المبحث الأول جاء بعنوان: "موقف هابر ماس من الحداثة" والمبحث الثاني :يتناول نظرية الفعل التواصلي  .أما المبحث الثالث : فهو يتحدث عن السياسة   التداولية  . وتأتي الخاتمة بأهم نتائج هذا البحث

الكلمات الرئيسية


مقدمة:

یعد یورغن هابر ماس “Jorgen  Habermas”علامة فارقة فی الحیاة السیاسیة الألمانیة المعاصرة لأنه رائد الخطاب النقدی ، الفلسفی منه والسیاسی علی حد سواء . کما أنه الصوت الأکثر حضورا وتأثیرا علی الحیاة الثقافیة الألمانیة منذ خمسون عاما .

وتبرز أهمیة مشروع هابرماس فی التواصل الاجتماعی ونقد الدیمقراطیة التمثیلیة وتحریر

الإنسان من قبضة العقل الأداتی والتشیؤ والاغتراب والسلعیة بالعودة إلی مشروع الحداثة بعد تحریره من نیر الذاتیة والعلمویة . کما یستغنی هابرماس عن قدرة الذات فی افتراض حقیقة مطلقة وغیر مشروطة تاریخیا مهما بلغت درجة بصیرتها ، وعن فلسفة الوعی واستبدالها بفلسفة التذات .أی الوعی عبر التواصل حیث تخضع فیه الحقیقة للتحلیلیة اللغویة ولیس لشروط خارجیة . ویلعب الحوار دورا مرکزیا فی بلورة ذلک التواصل حیث یکون القرار الأخیر والحکیم هو القرار الذی تم الاتفاق علیه بین المتحاورین ولیس قرارا جاهزا مسبقا ومعدا من قبل لجان أو مؤسسات تمثیلیة .

وقد رکز هابر ماس فی مشروعه الفلسفی على المحور اللسانی للتأسیس لأخلاق المناقشة والمناظرة وشتى أصناف الحوار, ونظر للغة فی العقلانیة التواصلیة لا باعتبارها وسیلة  للبیان أو التصویر، إنما یجب النظر إلیها من جهة وظیفتها التداولیة وعمقها التواصلی، ودورها فی معالجة الفرد والمجتمع من الأمراض الاجتماعیة التی تمّ کبتها فی دائرة اللاشعور بشکلیه الفردی والاجتماعی والتخفیف من وسائل الضغط والإکراه.

لقد أعاد هابر ماس إذن الثقة فی الحداثة الغربیة بالکشف عن منطق أخر فی التطور یمثل عقلانیة تواصلیة أدت إلی زیادة العقلنة الاجتماعیة فی الأخلاق والقانون وإلی ظهور تنظیمات دیمقراطیة، وانفتاح وتواصل وحوار ونقاش وفضاء دیمقراطی . وبخلاف نظریة الدیمقراطیة التعددیة المنبثقة من التصورات اللیبرالیة عن الدولة الدستوریة والمرتبطة بالمناهج التجریبیة لدراسة السلطة ، اقترح هابرماس _من منظور علم الاجتماع _ نظریة دیمقراطیة (الدیمقراطیة التشاوریة) ترتکز علی مفهوم المداولة والحوار وإطلاق السلطة التواصلیة .وقد أعاد هابرماس النظر فی طبیعة الدولة الدستوریة الحدیثة و تأسیس مفهوم السلطة ، وتحریر القانون من نفوذ نظریة السیادة من منظور سوسیو قانونی من خلال تولید السلطة التواصلیة وعبر آلیات المداولة والحوار باعتبارها أساس شرعیة القوانین ولترسخ فهم القانون باعتباره متوسط بین الوقائع والمعاییر.

وتعامل هابرماس مع المجال العام السیاسی فی هذا السیاق باعتباره البنیة التواصلیة المتجذرة فی العالم المعیش من خلال روابط المجتمع المدنی التطوعیة.. لاشک أن هذا الطرح من جانب هابرماس هو تجاوز للطرح التقلیدی للدیمقراطیة ولذا فهو یثیر لدینا  العدید من التساؤلات منها :إذا کان التمایز بین العقلانیة التواصلیة والأداتیة والعالم المعیش والنظام محددا تحدیدا واضحا کما تبین ذلک النظریة الاجتماعیة لهابرماس ، وإذا کان تکامل العالم  المعیش ینهار بفعل تدخل النظام فکیف یتم الحصول علی الترجمة المنشودة للسلطة التواصلیة إلی سلطة إداریة ؟ لم لا یطمس الأثر ألتحضری للخطاب الأخلاقی بفعل آلیات العمل الجامدة للإدارة ؟ هذا فضلا عن أن هابر ماس قد أبدی ترددات کثیرة فیما یخص الاشتغال الواقعی للفضاء العمومی فی المجتمعات الحدیثة , فلم یکن غافلا عن فساد الفضاء العمومی الذی عرفته مجتمعات الرأسمالیة المتقدمة.

وأخیرا نتساءل: لماذا یجب علینا ان نفضل النموذج التشاوری علی نموذج المشارکة غیر التشاوریة مثلا أو علی النموذج الاجرائی الخاص ؟ وهل الدیمقراطیة التشاوریة تجمیعا لمنافع الدیمقراطیة اللیبرالیة و الجمهوریة وبدیلا عن مساوئهما ؟ وإذا کانت کذلک أین نضع هذا النموذج الجدید هل ضمن خیارات الیمین الدینی والاقتصادی؟ أم ضمن حسابات الیسار الاجتماعی والعمالی المناهض للعولمة ؟ ماذا لو یکون النموذج التداولی هو الخیار الثالث الذی تبحث عنه الشعوب الرافضة للبدائل؟ من هنا جاءت أهمیة  الکتابة حول هذا  الموضوع والإجابة على التساؤلات المطروحة. ویضم هذا البحث مقدمة وخاتمة وعدة مباحث یکمل بعضها البعض على النحو التالی: المبحث الأول جاء بعنوان: "موقف هابر ماس من الحداثة" والمبحث الثانی :یتناول نظریة الفعل التواصلی  .أما المبحث الثالث : فهو یتحدث عن السیاسة  التداولیة  . وتأتی الخاتمة بأهم نتائج هذا البحث.

المبحث الأول : موقف هابرماس من الحداثة 

یعد یورغن هابر ماس “Jorgen  Habermas”الممثل الرئیسی للجیل الثانی لمدرسة فرانکفورت النقدیة والتی أخذت على عاتقها نقد عقل التنویر وتجلی هذا النقد بصورة واضحة فی جدل التنویر لعمیدی الجیل الأول :

  • ·        ماکس هورکهایمر :Max Horkheimer
  • ·        وتیودور أدورنو :Theodor Adorno 

اللذان عبرا عن الانتکاسة التی أصابت التنویر والحداثة الأوروبیة عندما وظفت العقل کأداة لخدمة المنظومة الإنتاجیة الصناعیة فی المجتمعات الرأسمالیة وما ترتب عنه من اغتراب واستلاب وقهر وتحول التنویر من فردوس بوهیمی إلى جحیم عقل أداتی قاس فقد الإنسان الأوروبی إزاءه کل مقومات إنسانیته. ([1])

وفی السیاق نفسه یری أعضاء مدرسة فرانکفورت أن تصاعد معدلات الترشید فی المجتمع الغربی أدی إلى اختفاء الفرد والقیم الثقافیة والروحیة والعقل النقدی القادر على التجاوز حتی أصبح الإنسان کائنا"ذا بعد واحد کما یقول مارکیوز یرتبط وجوده بالاستهلاک والسلع . فالترشید بدلا من أن یؤدی إلى الحریة  والعدالة والسعادة أدی إلى نتیجتین متناقضتین ،إعتاق الإنسان من أسر الضرورة المادیة وتسلعه وتشیئه فی آن واحد بل إن العقل نفسه أداة الترشید تحول إلى قوة غیر عقلانیة تسیطر على کل من الطبیعة والإنسان.([2])

وعلى وجه التحدید فإن فلسفة الأنوار أفضت إلى ما یصطلح علیه هورکهایمر باختفاء العقل. هذا القول جعلهم یصلون إلى تحصیل حاصل مفاده: أن إمکانیة تغییر الوضع القائم غیر متاحة فالحاضر صار أبدیا ولا أمل فی مستقبل قادم یکن حاملا"فی ذاکرته جدیدا یمکن معه سلب طبیعة المجتمع اللإنسانیة وتحویلها إلى طبیعة إنسانیة یجد فیها الإنسان معنی الحیاة .

وفی الوقت الذی انطفأت فیه أضواء التغییر وفشل مشروع المجتمع الموعود أو الفردوس الموعود  اتجه هورکهایمر إلى الدین واستعان أدورنو بالفن  فی حین علق مارکیوز أماله على الفئات المهمشة والمنبوذة وسقطوا جمیعا فی المتخیل ووقعوا فی حبال الفکر الشکلانی بعدما کانوا یرفضونه.

یتفق هابر ماس مع أعضاء الجیل الأول فی نقدهم للعقل الأداتی وللفلسفة الوضعیة والعلمویة تلک  الفلسفة التی تحولت فی  _نظر مدرسة فرانکفورت _إلى تبریر إیدیولوجی للعقلانیة الخاصة بالرأسمالیة .أی لتبریر نظام قائم على الضبط العقلانی من أجل تعمیم السیطرة وزیادة  مردود  رأس المال ، وهی الفلسفة التی  قادت إلى أزمة الحداثة .

لکن نقد هابر ماس للعقلانیة الو سائلیة (الأداتیة ) لم یجعله یتخذ من السلب والنفی والنقد مبدأه الموجه ویجعل من الفلسفة أداة لتفکیک الأفکار والمعتقدات الرائجة ؛ کذلک لم یدفعه هذا النقد إلى التخلی عن فلسفة الأنوار کلیة وتبنی مفاهیم ما بعد الحداثة ورفضها  للعقلانیة .وإنما أعاد هابر ماس بناء النظریة النقدیة ومن ثم تقدیم تصور جدید ومغایر لعملیة التحدیث التی تسیر وفق نسق مغلق یخلق دائما عقلانیة أداتیة بارة أو جامدة وتقدیم نموذج آخر من نماذج العقلنة المسماة العقلانیة التواصلیة. وتترافق إعادة بناء النظریة النقدیة عند هابر ماس مع الدفاع عن العقلانیة التواصلیة وتلتقی مع تجدید التفکیر فی الدیمقراطیة بوصفها التشکیل الحر للإرادة الشعبیة عبر وسائل النقاش  العمومی وهو الطریق الوحید للخلاص أمام المجتمعات. ولذا لا یمکن  فهم رؤیة هابرماس السیاسیة بوجه عام ومفهومه عن الدیمقراطیة التشاوریة بشکل خاص إلا من خلال توضیح موقفه من الحداثة ونظریة الفعل التواصلی فقد عکست آراؤه السیاسیة موقفه.

1-    موقف هابر ماس منالحداثة(*)[3]

فی الوقت الذی انتهت فیه النظریة النقدیة الأولی إلى إقالة العقل من کل دور إیجابی فاعل فی التاریخ وإعلان إفلاس المشروع الفلسفی والسیاسی للحداثة ظل هابرماس مؤمنا بمعیاریة العقل کأساس لکل بدیل أخلاقی أو سیاسی وبالحداثة کمشروع لم یستنفذ بعد وکقوة بمقدورها أن تصحح انفلاتاتها  بالاعتماد على نفسها .

 رغم هذا القول یعترف هابر ماس بالمأزق الذی انتهت إلیه الحداثة إلا أنه فی نظره لم یصل إلی طریق مسدود . فقد حاول فی مؤلفه "الخطاب الفلسفی للحداثة "أن یؤسس طریقا للخروج من هذا المأزق الذی آلت إلیه فی نظره لیس الحداثة وإنما الطرق البدیلة ذات الجذور النتشویة إذ انتهت هذه إلى مآل أسوأ من تمزق الحداثة.

لقد توبع النقد النیتشوی للحداثة مثلما _یری هابرماس _ فی هذین الاتجاهین :

الباحث المرتاب الذی یسعی إلى الکشف عن انحراف إرادة القوة مستخدماً طرائق  الانتروبولوجیا وعلم النفس والتاریخ  یجد فی  باتای  Bataille و ولاکان Lacan وفوکو  M.Foucault  خلفاء له .

أما بالنسبة لناقد المیتافیزیقا المتمرس الذی یطالب بمعرفة خاصة ویعید رسم تکوین فلسفة الذات بدءا من أصولها السابقة لسقراط فإنه یجد فی هیدجر ودریدا ورثة له.([4])

وأمام غیاب الشرط الإنسانی من العلاقات الحدیثة استشعر مفکروا مابعدالحداثة ضرورة البحث عن الإنسان ومحاولة استرجاع ذاته المفقودة وهذه الخطوة یلزم القیام بها خارج القیم السائدة أعنی خارج قیم الإنتاج والاستهلاک وذلک من أجل الصراع ضد السلطة هذه القیم التی أضمرت إنسانیة الإنسان .

إمکانیة استعادة الإنسان المفقود تنبنی علی محاربة اقتصاد الربح وإقامة اقتصاد الخسارة والاستهلاک واستنفاذ الطاقة بدل استهلاک البضاعة. هذه هی دعوة جورج باتای    G.Batailleفی ممارسة التجربة الباطنیة .إن محاربة الربح بالخسارة والاستهلاک بالنفاذ هی التی ستفضی بنا إلى اکتشاف الإنسان فی تجربته الباطنیة أعنی استنفاذ المخزون الغریزی عند الإنسان وتصریف کل الطاقات المشحونة فی الجسد وذلک بممارسة الشبقیة والسکر والشعر والموسیقی  والفن عموما".([5])  

إن التجربة الباطنیة هی التی ستکشف عن جوهر الإنسان الذی تواری خلف ترسبات التشیؤ وهی أیضا التی ستکشف عن الوجود وممکنات الإنسان التی أحبطها اقتصاد الربح والاستهلاک لذا فاستعادة الإنسان لهویته تتم بالسفر إلی أقصی ممکناته وعند هذه الأبعاد القصوى للتجربة الداخلیة ینکشف الوجود لأن الوجود لیس فی مکان بل ینکشف بالتجربة

إلا أن هذه التجربة لیست تجربة رؤیویة أی صوفیة ولا تلتقی بها بل تعارضها تماما .

لأن التجربة الصوفیة تقوم على اقتصاد الطاقة والحفاظ علی توتر الغریزة فی عمق الذات فی حین تقوم التجربة الشبقیة علی تصریف الطاقة بطرق شتی باختصار هی دعوة إلى  اعتناق دیونیزوس.([6])

 فهو القادر على تحریر الطاقات التی أحبطها اقتصاد الربح ونشر تعالیمه هی التی ستقف ضد العقلانیة والعلمانیة التی حولت الإنسان إلى ماهیة میتافیزیقیة منقطعة الصلة بالوجود .

أما فوکو : M.Foucault فقد حاول أن یبین تمفصلات السلطة فی علاقاتها بالجنون

لأن الجنون هوخطاب اللاعقل ،إنه الخصم العنید للنظام الذی یتأسس علیه العقل .

أراد فوکو أن یعید للجنون حق التعبیر وحق الکلام ضدا على الخطاب العقلی الذی یصنف الجنون فی إطار ما هو مرضی .فلم  یمنع التحکم _مثلما یری فوکو _الجنون من الاحتفاظ بکل مظاهر سیادته حتی بات جزءا من إجراءات العقل والعمل والحقیقة  یمارس نشاطه فی الوجه الشفاف للأشیاء وفی تقلبات النهار فی الظاهر وفی غموض الواقعی والوهمی فی تلک اللحمة غیر المحددة والمستعادة دائما والمنبوذة دائما أیضا انه یفصل الحقیقة عن الظاهر ویوحدهما کذلک ،إنه یخفی  ویکشف وینطقالحقیقة ویکذب فهو ظل ونور أنه یغری بوصفه الصورة المرکزیة والمتسامحة صورة کانت هشة وما زالت لهذا العصر العسیر.([7])

إن إعادة الاعتبار للجنون فی علاقته بالإنتاج تبین إلى أی مدی عمل النظام الرأسمالی على خلق قیم السواء والشذوذ فی النظر إلى الجنون فهذا النظام  هو الذی أدخل  المجنون إلى الملاجئ والمعازل والمستشفیات لیکون موضوعا للطب العقلی ولم یکتشف موضوعه  طبقا لشروط ابستولوجیة معینه بل قدمته له السلطة کقضیة کملف مرقم کمرفوض .لقد أظهر فوکو أن السلطة تعاقب کل من یخرج عن طاعتها وتهمشه باعتباره شاذا باعتباره آخر أی أن کل من یخرج عن منطق العقل الاجتماعی القائم على قیم الإنتاج  سوف یلقی به فی دائرة الشذوذ.

هیدجر:

انتقد هیدجر الحیاة الحدیثة باعتبارها حیاة یستثمر فیها الإنسان مجموعة أصنام هی: المال والجمهور والأنا والأداة التقنیة وهی حیاة تتسم بأفول المقدس والحضور البدیل للمقدس المتدانی واستنهاک الأرض وقطعنه الإنسانی وانتشار السطحیة والتفاهة والمعیار الکمی کما تتسم بالتیه فی صحراء العدمیة التی لا تعود فقط إلی انحطاط القیم العلیا کما تصور نیتشه بل إلى نسیان الکینونة والاهتمام فقط بالکائن .

وکرد فعل تجاه الحداثة قام هیدجر بتفکیک عام للمیتافیزیقا الغربیة لأن تاریخ المیتافیزیقا الغربیة هو تاریخ  العقل الغربی نفسه یعود هیدجر إلی الجذور السحیقة والموغلة فی القدم بحثا عن الأساس الذی أنبنی علیه هذا العقل لأن الکشف عن هذا الأساس هو وحده الذی سیمکننا من زحزحته .

من هذا المنطلق یری هیدجر أن العقل الغربی تأسس على الصیغة المنطقیة الصوریة منذ زمان أرسطو بل قبله بقلیل مع أفلاطون وسقراط ،کما أن التمییز بین موضوع المعرفة والذات العارفة تحدد أانطولوجیا آنذاک . لقد تشکل العقل الغربی عندما تأسس على المنطق ولکن فی أیة لحظة بدأ یتکون المنطق ؟ لم یظهر المنطق عند الیونان إلا عندما حدث الانشقاق بین الوجود والفکر هذا الانشقاق الذی دشنه أفلاطون وأکمله أرسطو هنا تقعد المنطق وتأسسالفکر على القیاس وظهر العقل الغربی منذ بدایة هذا التعقید النظری للفکر لن یسمح للحقیقة باستیطان أی مکان غیره ، لقد انتقلت الحقیقة من الوجود إلى المنطق وأصبحت القضیة المنطقیة هی مأوی الحقیقة ومجالها هو الفکر. الفکر هو مصدر الحقیقة.

هکذا ظهرت  الفلسفات المثالیة حیث تم سجن الحقیقة داخل أنساق محکمة لا یجوز أن تتجول خارج أسوارها بل أکثر من هذا أصبح الإنسان ماهیة فکریة وذات میتافیزیقیة هی هذا الجوهر المفکر إنه الکوجیتو (أنا أفکر) دیکارت وعلیه تتأسس کل أنواع الیقین الأخرى وانقسم الإنسان إلى نفس وبدن حیث سجنت النفس داخل النسق بینما ألقی بالبدن خارج النسق أی خارج الیقین .

توالت فلسفات الذات بعد دیکارت لکی تعدل من قسوة النسق وتحاول ردم الهوة بین الذات والموضوع بین النفس والبدن ، بین الفکر والوجود ولکن دون جدوى لهذا یری هیدجر أن هناک سبیلا وحیدا للخروج من فلسفة تفکیک الأنساق المثالیة التی سجنت الإنسان داخلها إخراج الإنسان من النسق الذی حوله إلى ماهیة میتافیزیقیة یمکن أن یتحقق خارج لغة المنطق ولغة العقل وذلک بالعودة إلی لغة الفن ولغة الشعر.

 هنا یمکن أن یتجلی البعد الوجودی للإنسان . إن الحکماء السابقین على سقراط لم یکونوا یتکلمون بلغة "المنطق الصوری" للتعبیر عن الإنسان وعن الوجود، بل کانوا یعبرون بواسطة القصائد الشعریة وبلغة الرمز. لکن عندما جاء أرسطو صنف الشعر فی أدنى مراتب القول، لأن الشعر لا یتحرک فی مجال الحقیقة وإنما یتحرک فی مجال المجاز. رکبت الفلسفة بعد أرسطو لغة المنطق، وحولت الإنسان إلى قضیة منطقیة تتکون من موضوع ومحمول. لذا، فتحریر الإنسان لا یمکن أن یتحقق إلا إذا غیرنا الطریق الذی أوصله إلى العبودیة، أی أن نستبدل القول المنطقی بالقول الفنی.([8])

جاک دریدا :

سار دریدا فی الطریق الذی دشنه هیدجر أی تفکیک العقل الغربی، لهذا کانت المهمة التی وجد دریدا نفسه ملزما بإنجازها هی تکسیر الأنساق المیتافیزیقیة التی شیدها العقل المحض وإلغاء الحواجز بین الأنواع التی تمیز الخطاب إذ لیس هناک فارق نوعی بین الخطاب الفلسفی والخطاب الأدبی مثلا بل نحن أمام نص عام general text  والنص له قانون یخضع له هو قانون الکتابة بغض النظر عن کاتبه لهذا  فأهم شئ یجب أن ننتبه إلیه لیس هو القائل (الذات) بل هو المقول (المکتوب – المنطوق) لاستخلاص

قواعده العامة إن قواعد الکتابة هی التی یلزم أن تخلق قواعد اللغة وذلک من أجل القضاء على سلطة الذات وتفکیک النسق وبدراستنا للأثر سنتجنب الوقوع فی الأخطاء للذات المیتافیزیقیة التی یستتبعها إعطاء الأولویة المفکرة أو الأنا علی النص المکتوب والاختلاف ولیس هو هذا الأثر الذی یقوم مقام الذات والذی تخلقه الکتابة کما أن نوع من الکتابة التی تترک أثرا فالثورة الروسیة هی أثر والثورة الفرنسیة هی أثر وهذا القلم الذی أکتب به أثر ولیس فی العالم سوی الآثار. ([9])

إن هم القضاء (علی الذات العاقلة أو القائلة )هو الذی دفع کلا من فوکو ودریدا إلی اعتناق البنیویة وسواء کانت الذات عاقلة تمارس الرقابة علی الجنون أو قائلة تمارس السلطة علی الأثر فإنها فی کلتا الحالتین ذات فاعلة تلوث المعنی وتخفیه .لهذا کان إعلان موت الإنسان ضروریا من أجل الخروج من فلسفة الذات وتحریر المعنی لیس هاهنا فاعل ولا ذات تفعل نسقا أو تقول  الحقیقة.([10])

 

خلاصة القول:

إن الطریق المیتافیزیقی الذی سار فیه  دریدا مکتفیا طریق هیدجر وطریق الجنون الذی سار فیه فوکو مکتفیا أثار باتای لهما جذر واحد ینحدران منه هو نیتشه :کل الطرق البدیلة تؤدی إلی نیتشة.  بمعنی أننا إذا تتبعنا نظریة السلطة عند فوکو فإننا سنصل إلى إرادة القوة عند نیتشة مارین على مفهوم السیادة عند باتای .أما إذا سرنا على الطریق المیتافیزیقی مبتدئین بتحطیم الفروقات النوعیة بین الأجناس الأدبیة عند دریدا مارین علی الصراع الهیدجری ضد کبار الفلاسفة (أصحاب الأنساق) فإننا سنصل إلی محاربة نیتشة لسقراط وأفلاطون وأرسطو وتابعیهم .  

وهذا یعنی أن خطاب مابعد الحداثة _علی حد تعبیر هابرماس _هو خطاب یتخذ لنفسه طریقا واحدا رغم تعدد الاجتهادات هو الطریق الأنطو میتافیزیقی الذی یجد فی نیتشه مصدره الأساسی.([11])

ویعتبر "هابر ماس" أن مختلف الانتقادات التی وجهت للحداثة من طرف ما یسمى بفلاسفة "ما بعد الحداثة"، لا تتأسس على أسس منهجیة، لأن هدفهم لیس النقد من أجل البناء، ولکن من أجل ضرب کل الأسس التی قامت علیها الحداثة :“الذاتیة “ “العقل” “والحریة”. إن نقد العقل أمر ممکن ولکن تجاوزه إلى اللاعقل أو ماشابه ذلک لایمکن أن یحدث  فالعقل لم یستنفذ کل إمکاناته فرغم المشاکل التی یعرفها العالم المعاصر  ترجع إلی العقل الأنواری. ولتجاوزهذا الوضع لابد للعودة إلى العقل فی إطار نقد العقل بالعقل.

 

هابرماس: الحداثة مشروع لم ینجز بعد

أراد هابر ماس أن یؤکد علی أن الحداثة مشروع لا حقبة تاریخیة . وأن هذا المشروع لم یکتمل بعد (بل ویمکن وینبغی أن یکتمل ).

یطلق هابر ماس على الحداثة اسم المشروع لأنه یراها حرکة ثقافیة تنشأ استجابة لمشکلات بعینها تتسبب فیها عملیات التحدیث .وتکمن  المشکلة الرئیسیة فی إیجاد طریقة لإعادة ربط المعرفة المتخصصة التی أطلقتها عملیة التنویر بالفطرة السلیمة والعملیات الحیاتیة الیومیة للسیطرة علی إمکاناتها إلی الأبد بربطها مرة أخری بالعالم المعیش والمصلحة المشترکة . 

إن هذا المفهوم الخاص بالحداثة یضع مایطلق علیه هابر ماس فلسفة ما بعد المیتافیزیقا التی مهمتها بحسب زعمه أن تکون بدیلا للعلوم التخصصیة ومفسرة لها فی قلب الحیاة الحدیثة وتحدیاتها.([12]) 

ویصف هابر ماس المشروع الحدیث بأنه غیر مکتمل لأن المشکلات التی یتناولها لم تحل بعد ففی مؤلفه الحداثة وخطابها السیاسی یقول (لا یستمر وجود مشروع الحداثة الذی صاغه فلاسفة التنویر فی القرن الثامن عشر إلا فی تطویر العلوم الموضٌعة  وقواعد الأخلاق والحق العالمیة والفن المستقلة کل فی مضماره ولکن المشروع یشمل فی الوقت ذاته إطلاق الطاقات المعرفیة من أشکالها الباطنیة المتطورة واستعمالها فی التطبیق .أی فی تشکیل عقلی لظروف الحیاة. لم یبق القرن العشرون علی کثیر من هذه التفاؤلیة

لکن المشکلة مازلت قائمة فما زال المفکرون یختلفون فیما بینهم عما إذا کانت نوایا عصر التنویر علی تحطمها مازالت جدیرة  بأن یتمسکوا بها أو أنه من الأفضل لهم التخلی عن مشروع الحداثة  کلیة أو بالأحرى حصر الطاقات المعرفیة طالما أنها لا تجد لها طریقا إلى التقدم التقنی والنمو الاقتصادی والإدارة العقلیة فتبقی الممارسة الحیاتیة التی تحال إلی تقالید عمیاء غیر متأثرة بها . وتحطم مشروع الحداثة أیضا بشکل خاص لدی الفلاسفة الذین یشکلون الیوم ما قد یدعی مؤخرة عصر التنویر فهم لا یثقون إلا بجزء من أجزاء هذا المشروع التی أنقسم إلیها العقل.([13])

من خلال مقولة هابرماس هذه یمکن القول بأن مشروع الحداثة الذی لم یکتمل هو بالأحرى مشروع تنویری لم ینجز بعد .

منطلق ها برماس : هو إعادة قراءة لنظریة ماکس فیبر حول الحداثة کعملیة عقلنة بمعنی التنظیم والتکییف المتبادل بین الوسائل والأهداف مصحوبة بعملیة نزع الطابع أللغزی عن العالم التی صاحبها تفکک تدریجی للعقل الجوهرانی وللتصورات الدینیة عن العالم ونشؤ ثقافة دنیویة تدخل فی صیرورة استقلالیة تدریجیة .

یتحدث فیبر فی مؤلفه "اقتصاد ومجتمع "Economy and Society  عن خصائص المجتمع الحداثی والتی یختزلها فی مجموعة من السمات من بینها : العقلنة والبیروقراطیة ففی تحلیله للعقلنه کإطار مفهومی ناظم للوعی والسلوک الحداثی یری فیبر أنها رسمت تحولا هائلا فی ثقافة الإنسان حیث أزالت عن العالم صبغته السحریة وحولته إلى مادة قابلة للإدراک والتحویل والتنبؤ ، لکن إزالة الطابع السحری عن العالم شکلت فی المقابل استبعادا لأشکال وأنماط التفکیر الأسطوری والدینی وهو ما أسس نمط جدید فی فهم العالم یقوم علی الرؤیة العقلانیة (العلمیة).([14])

بید أن فیبر رغم إعلائه من شأن العقلنة یعترف فی الوقت ذاته أن هیمنة هذا النمط من الوعی أدت إلی أزمة المعنی.

وهی إشارة ذکیة إلی مکمن أزمة الإجتماع والحضارة الأوروبیة بعد تحولاتها الحداثیة.

أما الخاصیة الثانیة:

 فهی البیروقراطیة ، وفی سیاق المقارنة یمکن القول أنه إذا کانت العقلنة تنظیما لفهم العالم فإن البیروقراطیة هی الآلیة المنهجیة لتنظیم الدولة الحدیثة وعلى هاتین الآلیتین یتأسس المجتمع الحداثی حسب فیبر. لاشک أن هذه الأطروحة من جانب فیبر لا تزال تحتفظ بکثیر من قیمتها المنهجیة فی تحلیل وفهم الحضارة الأوروبیة، ففی توکید فیبر علی العقلنة کمحدد للوعی والسلوک الحداثی ثم تلمیحه إلی أن هیمنة هذا النمط من

الرؤیة والتفکیر أدت إلی أزمة المعنی وخواء الثقافة اختزالا لمصدر قوة الحداثة ومکمن إفلاسها فی آن واحد.([15])

إن ما وصفه فیبر من زاویة التعقیل _مثلما یری هابر ماس _لم یقتصر علی علمنة الثقافة الغربیة بل یتناول قبل کل شئ تطور الجماعات الحدیثة .ففی الوقت الذی تحتاج فیه عملیة العقلنة الثقافیة والاجتماعیة الحیاة الیومیة، فإن أشکال الحیاة الیومیة التقلیدیة تتفکک وتنحل غیر أن تحدیث العالم المعیش لایخضع فقط  لبنیات العقلنة الغائیة لأن العوالم المعیشیة المعقلنة تتمیز فی نفس الوقت بعلاقات إنعکاسیة مع التقالید التی فقدت عفویتها الطبیعیة وتعمیم معاییر الفعل والقیم المحررة للنشاط التواصلی للأطر المحددة فضلا عن أن هذه العوالم المعیشیة تتمیز بفرز نماذج من الدمج الاجتماعی ترمی إلی تشکیل هویات شخصیة مجردة وتدفع بالمراهقین نحو التفرد .تلک هی صورة الحداثة کما یرسمها کلاسیکو النظریة الاجتماعیة.([16]) 

خلاصة القول : أن نظریة التحدیث بالنسبة لمفهوم الحداثة عند فیبر –علی حد تعبیر هابرماس _ تعمد إلی تجرید مثقل بالنتائج فهی تفصل الحداثة عن أصولها _أوروبا

العصور الحدیثة _وتعرضها بمثابة نموذج عام لسیرورات التطور الاجتماعی نموذج حیادی یهمل الإطار المکانی - ألزمانی الذی یطلق فیه وأکثر من ذلک تقطع الصلة الداخلیة التی تصل بین الحداثة والاستمرار التاریخی للعقلانیة الغربیة علی نحو یصیر فیه من الممتنع فهم عملیات التحدیث بصفتها عملیات تعقیل أی بوصفها التاریخ الموضوعی للبنی العقلانیة. ([17])

تمتاز هذه الصیرورة کما یراها جیمس کولمان J.coleman بأنها تخلص مفهوم التحدیث  الذی عممته نظریة تطوریة من فکرة الحداثة , إذن من حال غائیة  تلیها بالضرورة تطورات مابعد الحداثة.([18])

فمن أجل فهم الدلالات التی کانت علیها العلاقة الداخلیة بین الحداثة والعقلنة یدعو هابرماس إلی الرجوع إلی هیجل لکونه أول فیلسوف طرح بوضوح مفهوما محددا للحداثة فقد استعمل هیجل مفهوم الحداثة داخل سیاقات تاریخیة للإشارة إلی فترات بعینها مثل :الأزمنة الجدیدة أو الأزمنة الحدیثة لقد کانت هذه الألفاظ تتوافق مع الألفاظ المستعملة فی تلک الفترة فی انجلترا أو فی فرنسا فی حوالی سنة 1800وهی ألفاظ(Modern TimesأوTemps Moderne)وتشیر إلی الثلاثة قرون السابقة لتلک الفترة ذلک أن اکتشاف العالم الجدید والنهضة والإصلاح وکل الأحداث التی حدثت  فی القرن الخامس عشر تشکل العتبة التاریخیة بین العصور الوسطی والأزمنة الحدیثة.([19])

ویلاحظ هابرماس أنه إذا أضفنا مفاهیم مثل :الثورة والتقدم والتحرر والتطور وروح العصر والأزمنة الحدیثة فإن ذلک یقربنا من المشکل الأساسی الذی طرحه الوعی التاریخی للحداثة والذی یتمثل فی کون الزمن الحدیث المرتبط بالثقافة الغربیة یثبت أنه لم یعد بإمکان الحداثة أن تستعیر المعاییر التی تسترشد بها ، بل ولن تفعل من النماذج التی تقدمها حقبة أخری بل لابد وأن تخلق معیاریتها من تلقاء نفسها.([20])

لقد امتنع فوکو _علی حد تعبیر هابرماس _عن استخلاص نتائج تناقضاته الجدلیة ویتهرب هیدجر ودریدا من إلزام تبریر أقوالهما بالالتجاء إلی معرفة سریة أو بخلطهما المنطق بالبلاغة......أنهم یکتفون بإیداع الموضوع المربک فی مکان أقل إزعاجا.وبمقدار ما یتغیر الإطار المرجعی یرون أن الأقوال نفسها لم تعد تصدر بعد الآن عن العلم أو الفلسفة بل عن الأدب.([21])

کان من الصعب إذن على هابر ماس أن یلتقی مع فلاسفة الاختلاف أو أن یشاطرهم أرائهم ومقدماتهم والنتائج التی اهتدوا إلیها رغم أنه یعتبر نفسه جزءا من ما بعد الحداثة الفکریة وصعوبة اللقاء تعود أولا: إلی الموقف من العقلنة لأنهم یرون فیها مصدر معاناة وسبب قلق وجودی یعیشه الإنسان الحدیث بحکم أن هذه العقلنة اقترنت بالیات الدولة الحدیثة وفرضت أنماطا أحادیة البعد علی الأفراد والجماعات وفی هذا المستوی النقدی یلتئم العدید من الفلاسفة انطلاقا من نیتشه إلی هیدجر إلی فلاسفة الاختلاف وفلاسفة النظریة النقدیة وفوکو..

غیر أن ما یعیبه هابر ماس علی هیدجر وفوکو ودریدا هو أنهم یرکنون إلی خیار جزری فی نقد العقلنة دون التمییز بین ماهو أداتی ذرائعی منتج للاستلاب والتشیؤ وما ساعد علی تحرر الإنسان من عبودیة الطبیعة والأشیاء فنقد العقلانیة الذرائعیة الأداتیة ضرورة ما بعدها ضرورة لکن شریطة أن تکون أداة النقد قادرة علی ممارسة النقد علی ذاتها . 

السبب الثانی : لعدم الالتقاء هو اهتمام ها برماس بمسألة التواصل وتأکیده علی أخلاقیة التواصل فی وقت اعتبر فیه فلاسفة الاختلاف هذا الأخیر عنصرا مؤسسا للنظام العام هذا فضلا عن أن کل رغبة فی سن أخلاقیة للتواصل لابد أن تحتکم إلی منطق سلطة ما وهذا شئ لا ینسجم والقول بالاختلاف.([22])

ومن هنا یری هابر ماس أنه لا یمکن تجاوز تذبذبات واستنهاکات العقل والعقلانیة إلا بتخطی فلسفة الذاتیة ،فلسفة الوعی، والانتقال من مقولتی الوعی والذات المهیمنتین علی الفضاء الفلسفی الحدیث والمعاصر إلی مقولة أو فلسفة  التفاهم والتواصل بین الذوات أی الانتقال من فلسفة تقابل ذات – موضوع یغلب فیها عنصر الموضٌعة حیث تعود الذات العارفة إلی ذاتها بقدر ما تعود إلی موضوعات العالم ذهابا وإیابا إلی أفق فلسفی وتواصل أرحب تسوده مقولة التفاهم والحوار والتواصل بین الذوات إننا نجد أنفسنا مدفوعین بالفعل علی وجوب الخروج من فلسفة الذات من عقل متمرکز حول الذات إلی عقل تواصلی.([23])

العقل التواصلی_درب آخر للخروج من فلسفة الذات – هو العقل الذی یقدمه هابر ماس کتطویر للعقل الحداثی و لیس إلغاء له. لا یهدف إلی إنتاج معرفة علمیة عن الموضوع أو الذات بل هدفه إقامة أرضیة صالحة للتفاهم بین الذوات وإخراجها من عزلتها ، هدف العقل التواصلی هو إقامة الجسور القادرة علی الربط بین الأنا والأخر والبحث عن الوسائل الممکنة لتحقیق هذه المهمة. وقد استطاع هابر ماس هنا الاستفادة من هیجل حیث وجد ضالته فی التحدید الهیجلی للذات التی یعتبرها "کمن یجد تعریف نفسه فی الآخر.([24])

وهیجل هو الذی حاول إقامة التواصل بین الأنا والآخر بواسطة الجدل. فالذات القابعة فی عمق النسق یمکن أن تتحول –بفضل المنهج الجدلی- إلى نقیضها أی إلى الموضوع، وبذلک تتمکن من تحقیق حریته.

أما مارکس فهو من المرجعیات الفلسفیة المهمة  فی فکر هابر ما س بصفة خاصة ولدی       فرانکفورت بصفة عامة - لکنه تجاوزه لاحقا وخاصة فی کتابه ما بعد مارکس حیث کان العمل الاجتماعی فی نظر مارکس لیس هو ما یمنح الإنسان إنسانیته فحسب ولکنه هو أیضا ما یخلق شروط إعادة الواقع عبر إدراکه المعرفی (نظریة المعرفة )والتأثیر علیه (نظریة الممارسة )وهذا یعنی أن شروط العالم المادی نفسها هی ما یحدد شروط العالم الإنسانی .وهنا یتدخل هابر ماس وهو یعید بناء المادیة التاریخیة سوسیولوجیا للتمیز بین العمل والتفاعل فلیست فقط القیم المادیة (الاقتصادیة )هی ما ینتجه الناس ویتبادلونه

مجال العمل الاجتماعی ولکن هناک أیضا قیم معیاریة رمزیة تخضع لنفس فعلی الانتاج والتبادل هو مجال التفاعل  . وأخذ المجالین معا هو ما یشکل إعادة هابر ماس للمادیة التاریخیة فی صیغتها الکلاسیکیة.([25])

لقد حاول هابر ماس إذا إعادة الثقة فی الحداثة الغربیة بالکشف عن منطق أخر فی التطور یمثل عقلانیة تواصلیة أدت إلی زیادة العقلنة الاجتماعیة فی الأخلاق والقانون وإلی ظهور تنظیمات دیمقراطیة. ینظر هابر ماس إلی هذه الانجازات على أنها تطور حقیقی موازی للتطور فی قوی الإنتاج ویکشف عن فرع أخر فی العقلنة لیس وظیفیا أداتیا بل تواصلیا اجتماعیا .ومن ثم فالحداثة والعقل والعقلنة لیست فقط تنظیما صارما وتکییفا أداتیا للغایات مع الوسائل ولیست فقط قمعا وترویضا وسیطرة وأداتیه وتشیئا واستلابا  بل هی أیضا تحرر وتحریر من هیمنة الماضی والمقدس وانفتاح وتواصل وحوار ونقاش وفضاء دیمقراطی فی إطار نقاش عمومی .

وبهذا یکون هابر ماس قد خالف ما کان شائعا فی ذلک الوقت من دعاوی موت الإنسان، وانتهاء الفلسفة، وتفکیک العقل، والانتصار للاعقل، ،ففی العشر سنوات الأخیرة مثلما رأی قد أصبح النقد الرادیکالی للعقل موضة. هذه الموضة نفسها طالت حتى هوامش الحداثة، وخاصة فی الآداب؛ حیث ساد التأثر بکتابات دریدا المستندة على البنیویة واللسانیات. وبذلک دخلنا فی علاقة وحیدة الجانب مع الحداثة، نستقبل ما هو جدید وفاتن ومغرٍ! ([26]) 

المبحث الثانی : نظریة الفعل التواصلی

تعتبر نظریة هابر ماس فی اللغة والمعروفة بنظریة الفعل التواصلی بمثابة منطق جدید للعلوم الاجتماعیة منطق یستند إلی منجزات فلسفة اللغة ذلک لأنه یری أن اللغة هی الملجأ الذی یمکن أن یحدث القطیعة مع الأطروحات التقلیدیة فی العلوم الاجتماعیة المتعلقة بالوعی والذات والفعل والممارسة .

إن هابر ماس یحاول أن یجتاز فلسفات الوعی العقلانیة والتجریبیة إلی فلسفة للتفاهم عن طریق اللغة وهذا لأن النموذجین العقلانی والتجریبی قد أفلسا فی الوصول إلی نظریة واضحة وشاملة تخلو من هنات ونقائص .إنه وجد الملجأ فی التواصل بین الذوات ولذلک یقول (ما أنهک هو نموذج فلسفة الوعی ولئن کان الأمر کذلک فإنه لابد من أن تختفی أعراض الإنهاک فعلا بالانتقال إلى نموذج التفاهم. ([27])

یری هابر ماس أن البعد المنسی أو اللا مفکر فیه _بتعبیر فوکو _هو اللغة وبالضبط البعد التواصلی والذی یجب أن یعاد له الاعتبار.

إن کلا من الفلسفة المثالیة والفلسفة التجریبیة لم یقدما –من وجهة نظر هابر ماس _إلا نماذج من التواصل المشوه . ودیالکتیک العلاقة الأخلاقیة التی طورها هیجل تحت عنوان الصراع من أجل الاعتراف یعید تکوین القمع والعنف . إنه تواصل مشوه من خلال العنف عنفا عملیا دیالکتیکیا .لیس التفاعل اللا قسری بین الذوات وإنما تاریخ قمعه . ویؤکد هابر ماس أن إنتاج هذا النوع من التواصل هو تشویه العلاقة الحواریة المماثل فی عملیة الرموز المنشطرة والمموضعة إنه تواصل محروم من علاقات منطقیة وفعالة. ([28])

إن هیجل ومعه التیار المثالی بکامله یطرح شکلا ثنائیا من التواصل أی الذی یقیم شرحا بین الذات والعالم باعتباره یعید عالم الأشیاء إلی الذات ولا یمنح الأخر أی قیمة أو دور فی التفاهم والحوار. فهیجل یشرح علاقة تعرف الذات فی الآخر التی یرتبط فیها مفهوم الأنا بوصفه هویة العالم والمفرد  ولیس مباشرة عن علاقات التفاعل بین الذات.([29])

أما عن التیار التجریبی :فهو یسعی إلی نزع اللمسة التطهریة للعقل فی طرحه الأداتی الغائی المغرض الذی أفقد الإنسان روحه ومقوماته الأخلاقیة فقد سادت النزعة العلمیة المجتمعات الأوروبیة  وأصبحت فیصلا فی إضفاء الشرعیة على آلیات التحکم التقنوقراطی مما استبعد القیم الإنسانیة لذا یهدف هابر ماس إلى خلع العلمویة عن العلم وأن یخضعه لنوع خاص من الموجهات والمعاییر الأخلاقیة والاجتماعیة .

وأخیرا یعلن هابرماس إفلاس وقصور الطرح المتعالی المثالی والطرح الأختباری الجزئی وعلى حد قوله : لا تری الذات فی ذاتها إلا ذاک الذی یجابه العالم بمجمله ویذهب إلی السیطرة علیه .أو لا تری فی ذاتها سوی واقع مادی حاضر فی العالم . بین الوضع خارج هذا العالم الأرضی للأنا المتعالیة , والوضع داخل هذا العالم للذات الاختباریة لا یوجد أیة وساطة ممکنة غیر وساطة بین ذاتیة ینتجها اللسان وعندئذ تدخل الأنانیة فی علاقة بین شخصیة تسمح بأن تنسب إلى ذاتها متبنیة منظور الأخر بقدر ما تشارک فی تفاعل.([30])

یؤسس هابرماس لتفکریة  perspective جدیدة بعیدة عن تفکریة التعالی لفلسفات الوعی وتفکریة الاختبار الوضعیة تفکریة تصالح بین الأنا والآخر الذی أقصی من عملیة المعرفة ومن دائرة الحقیقة وهمش طیلة قرون فتاریخ الفلسفة منذ أفلاطون ودیمقریطس ظل محکوما من قبل إتجاهین متناقضین :

الأول : یستخلص بلا تحفظ فی وقت واحد القوة المتعالیة للفعل المجرد و العنصر المحرر اللامشروط الموجود فی المعقول  والثانی مادی یسعی إلى نزع القناع عن التطهریة الخیالیة للعقل.([31])

 

التحول اللغوی:من الکفایة اللغویة إلی الکفایة التواصلیة

یری هابرماس :انه إذا کانت اللغة عند هوبز فی اللوفیاثان : یتجلی الاستعمال العام للکلام فی نقل خطابنا النفسی إلى خطاب لغوی أوتجسید لأفکارنا فی کلمات متوالیة .....

وعند لوک :الکلمات فی دلالتها الأولی والحالیة لا تمثل إلا أفکارا موجودة فی نفس المعبر عنها وهذا ما دعی بنظریة الانعکاس أو المرآة فالفعل الإنسانی یغدو تعبیرا عن أفکار. 

والذی یزید فیه فعل التواصل عن کونه انعکاسا نفسیا فقط.

علی خلاف هذا یشیر هابرماس فی مقالة الشهیر:

What is universal pragmatic sprach pragmatic and philosophy 1976 (الذی نشره فی کتاب صدیقه کارل أوتو آبل K. O. Apple)

إلی أن فحص اللغة والکلام لن یقتصر فقط على دراسة الجمل من الناحیة الصوتیة والترکیبیة أو الدلالیة  بل یجب أن تنتقل إلی مستوی رابع جدید یعنی بتداوله (pragmatic) الأفعال والخطاب بحیث لاتکتفی بالجمل صالح دراسة تداول الخطاب ککل أی الانتقال من دراسة الکفایة اللغویة إلی الکفایة التواصلیة .فإذا کان تشومسکی اهتم بالفصل بین الکفاءة والأداء اللغوی فإن هابرماس طور مفهوم الکفایة اللغویة إلى مفهوم الکفایة التواصلیة .وإذا کان هدف شومسکی هو تحدید المعرفة اللغویة للمتکلم المثالی ،فإن هابر ماس اهتم بالتواصل ومصطلح المتکلم المثالی لکن القادر علی إنجاز لغوی سلیم أی بمعناه الإجرائی التواصلی أی بین الذات المتکلمة والآخر السامع أی بوجود طرفین لا طرف واحد کما یقول شومسکی.([32])

إن اللغة – مثلما نظر إلیها هابرماس _ لیست هی القدرة علی إنتاج جمل لها قواعد أو دلالات  کما أنها لیست مجرد نسق من الرموز والإشارات ذات ترکیبة نحویة معجمیة وصوتیة أو لها خصائص دلالیة معینة بل  اللغة : أفعال أو إجراءات أو أداءات بمعنی النظر إلى خصائصها التداولیة. وبمعنی أخر اللغة لیست البنیة أو المعنی بل :هی الاستعمال کما صرح فتجنشتین من قبل.

ومن هنا انحاز هابر ماس إلى تفضیل نظریة المعنی البراجماتیة لأنها لا ترکز على ما تقوله اللغة بل على ما تفعله فهی نظریة استخدام للغة. وعلی حد قوله :لا یعرف المرء ماهیة فهم تعبیر لغوی إذا لم یکن یعرف أساسا کیف یستغله للوصول إلی فهم مشترک مع الآخر حیال شئ ما.([33])

 

یری هابرماس أن مفاهیم الفعل المستخدمة فی نظریات العلوم الاجتماعیة تنقسم إلی أربعة مفاهیم أساسیة یمکن تمییزها فی ضوء الإطار النظری للعلاقة (فاعل /عالم ).

1-  الفعل الغائی: والذی یقوم الفاعل فیه باختیار مجموعة من الوسائل والأدوات التی تحقق له النجاح قصد تحقیق غایة معینة . ویتحول نموذج الفعل الغائی إلى نموذج الفعل الاستراتیجی عندما یأخذ الفاعل فی حساباته قرارات فاعلین آخرین أو على الأقل فاعل واحد فی تقییمه للنجاح وهذا النموذج من الفعل یأخذ معنی نفعیا لأن العلاقات بین الأشخاص تنظم من خلال عملیات التبادل الخاصة بالسوق والسلطة.([34])

2-  الفعل المضبوط بمعاییر: ویتعلق بأعضاء جماعة اجتماعیة توجه سلوکها وفق قیم مشترکة ولا یتعلق بفعل فاعل معین منعزل عن الآخرین وهذه المعاییر المتبعة ناتجة عن اتفاق حاصل بین أفراد الجماعة تتطلب استجابة الأفراد فی سلوکهم لهذه المعاییر .

3-  الفعل المسرحی: لا یتعلق هذا الفعل  بالفرد الفاعل  ولا بأعضاء الجماعة وإنما بالمشارکین فی التفاعل حیث یشکل کل واحد منهم بالنسبة للآخر دور الجمهور الذی یظهر أمامه لأن الفاعل یکشف عن ذاتیته عندما یحتک بالجمهور وبإمکانه مراقبة الذین ینفذون إلى عالمه الخاص حیث یشکل التفاعل مجالا تتکشف فیه  ذاتیه کل فرد بالنسبة للأخر حینما ینفذ إلیها . وکأنه بمثابة ظاهرة یضایفها الشعور هذا الفعل مستغل من طرف المناهج الفینومولوجیة  فالفعل الدرامی هو الذی یقوم بإخراج عالم غیر موضوعی  فی مواجهة عالم خارجی.([35])

4-  الفعل التواصلی: یختلف بل ویتمیز التفکیر العقلی التواصلی-مثلما رأی هابر ماس - عن التفکیر العقلی المعیاری والفنی المسرحی فی قدرة هذا اللون من التفکیر علی الاهتمام بالعوالم الثلاثة التی یطلق علیها هابر ماس –متبعا فی ذلک  کارل بوبر-العوالم الذاتیة والموضوعیة والاجتماعیة أو المتبادلة بین الأشخاص هذا فضلا عن أن التفکیر التواصلی هوتفکیر متأمل ذاتیا ومتفتح علی الحوار الذی یمکن للمشترکین فی الجدل فیه بان یتعلموا من زملائهم ومن أنفسهم وذلک عن طریق التأمل بتروی فی مقدماتهم المنطقیة الرئیسیة واستخدام جوانب معرفتهم الأساسیة من أجل التشکک فی الفروض التی کانت تمر علیهم من قبل بدون شک أو نقد.([36])

ومن ثم فإن الفعل التواصلی هو الفعل الذی یعتمد علی هذه العملیة للتفکیر والتی یتفاعل فیها اثنین أو أکثر من المشترکین فی الحدیث ویقوموا بتنسیق فعلهم علی أساس تفسیر الموقف المتفق علیه بینهم بصورة متبادلة. ([37])

 

وبعبارة أوضح:

أن مفهوم الفعل التواصلی یتعلق بالتفاعل بین شخصین على الأقل قادرین على الکلام والفعل یرتبطان بعلاقة بین ذاتیة ....... یسعی الفاعلون وراء تفاهم حول موقف علمی لکی ینسقوا بصورة توافقه خطط عملهم وبالتالی أفعالهم.([38])

فالأمر یتعلق إذن بحصول اتفاق بین المشارکین نتیجة تأثیر یمارس تبادلیا بین الفاعلین والآخرین .وعلی هذا الأساس یفرق هابر ماس بین آلیتین للتنسیق بین الأفعال هما :الاتفاق والتأثیر. یعنی  هابر ماس بالاتفاق (أن المعنیین بالأمر یقبلون صلاحیة معرفة ما أی بمعنی أخر یقبلون قوة الإلزام لمجاوزة الذات ) .

بمعنی أنه لا تتکون لدی الفاعلین معرفة متبادلة نتیجة الاتفاق الحاصل ولکن هذا الاتفاق ناتج عن معرفة بین ذاتیة تکون محلا للنقد وهذا الاتفاق یشکل التزاما متبادلا بین المشارکین فی التفاعل ولا یجب أن یکون الغرض من الاتفاق حصول التفاهم بین المشارکین ومحاولة التأثیر علیهم فی نفس الوقت بممارسة ضغط معین للوصول إلی غایة معینة .بمعنی أن مفهوم التفاهم یحیل إلى أتفاق معلل عقلانیا حاصل بین المشارکین ویقاس هذا الاتفاق بإدعاءات الصحة قابلة للنقد .

و للوصول إلى إجماع فی إطار التفاهم یحدد هابر ماس معاییر نصادق على صلاحیتها أو نصل إلى حقیقتها من خلال الاستناد إلى ادعاءات الصلاحیة وهی أیضا تقاس بمعیار الحقیقة .والحقیقة التی یراها هابر ماس تتطلب وضعا ثابتا (کل ما هو حقیقی هو تلکالملفوظات التی تترجم أو تعبر عن حالات معینة من الأشیاء).

فحقیقة ملفوظ ما هو الذی یثبت وجود شیء واقعی ما .إذن الحقیقة هی إدعاء الصلاحیة المرتبطة بملفوظات نثبتها ومعنی الحقیقة یتضح من خلال الاستعمال أو التداول فالحقیقة تتضح من خلال تداولیة نوع معین من مقولات أفعال الکلام .

وقد استند هابرماس هنا إلی نظریة أفعال الکلام عند أوستن (J. L. AUSTIN) والذی قام بدراسة تعدد وظائف اللغة ووصل فی الأخیر أن لها وظیفة وصفیة وتقدیم إثباتات لذا یقول (یجب أن تکون أفعال الکلام فعالة وتحقق مجموعة من الشروط یجب أن تکون کافیة ویجب أن نکون قادرین على تبنی العبارة فی إطار التصرفات المعلمة).([39])

وقام هابرماس بافتراض نوع معین من دعاوی أو مزاعم الصلاحیة وعرضها داخل الإجماع وهی علی النحو التالی :

1-    المعقولیة :تدخل على المعنی التداولی للعلاقة المتداخلة بین الأشخاص ویعبر عنها بواسطة قضیة ملفوظة .

2-    الحقیقة: أن نعترف بحقیقة الملفوظ الناتج عن أفعال کلام المتحدثین.

3-  الدقة: أن نعترف بدقة المعیار أی إن یکون استخدام الکلمات والعبارات متفقا مع السیاق المعیاری المتعارف علیه بواسطة فعل الکلام الحاصل .

4-    الصدق:یجب أن لا نشک فی صدق الذوات المشارکة فی التفاعل.([40])

 

وبهذا الفهم فإن صیغة البرهنة التی یعطیها الاجتماع لادعاءات الصلاحیة المفروضة والمطروحة للمناقشة فی ذات الوقت هی التی تکون إدعاءا للصلاحیة مبررا خطابیا وهذه المواقف التی یبدیها الفاعلون هی التی تعبر عن قبول أو رفض الحجج والبراهین المقدمة لإثبات إدعاءات الصحة ولیس حول الادعاءات نفسها.([41])

ویظهر أن الفاعلیة التواصلیة فی عمقها صیاغة جدیدة لمسألة العقلانیة فی الفکر الغربی ذلک أن عملیة التحدیث تفترض العقلنة وهذه تستدعی معقولیة تستند إلى معاییر لتقویم انحرافات العقل وکذلک المجال العمومی وکل هذا یشترط فی نظر هابرماس أخلاقا تواصلیة تعتمد علی ما اسماه "التداولیات الکلیة ".

ونود أن نشیر هنا إلى أن اهتمام هابر ماس بسؤال الأخلاق لم یکن فی بعده المیتافیزیقی بل فی بعده التواصلی إذ معه سیدشن هابر ماس ما اصطلح علیه أخلاقیات النقاش  – وهو تقلید فلسفی ألمانی یعد هابر ماس وکارل أوتو آبل من أبرز ممثلیه وإن کان یضرب بجذوره أیضا فی الفکر الأنجلو سکسونی والأمریکی بالذات مع جون رولز وریتشارد رورتی _ ویشکل ذلک منعطفا بارزا فی تفکیره ضمنه مؤلفه "الوعی الأخلاقی والفعل التواصلی "بین فیه أن هدفه هو توظیف منطق نظریة الفعل التواصلی  قصد بلورة نظریة الفعل التواصلی انطلاقا من أخلاقیات النقاش أو الحجاج . وفی أخلاقیات النقاش لا ینظر هابرماس للأخلاق على أنها موضوعا للتنظیم بل یعتبرها منهجا أو إجراء یسمح بتحدید معاییر عادلة لزاویة النظر الأخلاقیة .  لذا لم یدع هابر ماس معاییر لأخلاقیات النقاش تکون نابعة من الذات علی نحو ما فعل کانط والتقلید الفلسفی عامة بل إنه سعی إلى جعله نظریة تبحث فی الطرق والإجراءات السلمیة التی تمکن الذات المتفاعلة فیما بینها من التواصل عبر الحوار إلى صیاغة تلک المعاییر الأخلاقیة .

والسؤال الذی یطرح نفسه هنا علی أی مرتکز یمکن تأسیس المعاییر والأوامر الأخلاقیة؟

المعاییر الأخلاقیة هی تلک التی یقبلها أعضاء الجماعة التواصلیة المعنیون بها بحیث تراعی مصالحهم المشترکة ویکون لها طابع کونی.([42])

بهذا المعنی یغدو النقاش العملی أداة ذات مکانة جوهریة فی سن المعاییر وتبریرها لأن التبریر عملیة بین ذاتیة تداولیة غیر منفصلة عن الاجتماع کما انه وسیلة ملائمة لتأسیس تصور مجتمع حداثی فی عصرنا هذا .عصر تراجع التقالید والعادات فی شد أواصر العلاقات الاجتماعیة عصر تعدد المعتقدات والأعراف والتجمعات داخل نفس المجتمع عصر تصاعد النزاعات الدولیة مما یهدد الاستقرار والسلم العالمیین عصر تصاعد المصالح الاقتصادیة والتجاریة عصر الاستغلال المفرط للبیئة وتفاقم الاحتباس الحراری الکونی ... الخ.

من هنا تأتی أهمیة أخلاقیات النقاش والحوار فمعاییرهما هی ما قد یکفل التوازن الدولی ویدعم تنمیة المجتمعات ذلک هو رهان أخلاقیات النقاش شریطة إجماع الکل علی قواعد ومعاییر وضوابط یلتزم بها المتحاورون فی اطار فعل تواصلی .

وقد دعم هابرماس أطروحته هذه بالنظریة الحجاجیة فاستمد منها القواعد الصوریة التی یجب على المتحاورین الالتزام بها قصد تحقیق الإجماع أو اتفاق العقول . وبانفتاحه على النظریات الحجاجیة کان هابر ماس یهدف إلى تأسیس مبدأ استدلالی فی أخلاقیات النقاش یتشبه بذلک الموجود فی العلوم الحقة.([43])

 

والقواعد التی اقترحها هابر ماس هی التالیة:

1-    لکل من هو قادر علی الکلام والفعل نصیب کامل فی النقاش

2-  لکل الحق فی إثارة أی إشکال أو اعتراض علی أی تأکید کیفما کان .یندرج ضمن هذا الحق حق الاعتقاد فی أراء ما والتعبیر عنها .

3-    لا یحق منع أی کان من المتحاورین من النقاش ولا استعمال أسلوب الإکراه علیه.([44])

تفترض جمیع هذه القواعد المشارکة والندیة بین المتحاورین :لکل الحق فی أن یدلی بدلوه ویفصح عما عنده دون تضییق أو مضایقة قصد تحقیق الإجماع .

إضافة إلی القواعد السالفة زاد قاعدتین أخربتین فی صیغة افتراضین مفادهما أن الدعاوی المعیاریة للصلاحیة تتضمن معنی معرفیا ،ویجوز التعامل معها بوصفها دعاوی للحقیقة لذا ضرورة الدخول فی نقاش حقیقی لتأسیس المعاییر والأوامر اعتمادا علی العقل المتواصل المتحاور ولیس علی العقل الفردی .

وتعنی صفة المعرفیة أن الشیء قابل للقبول أو الرفض خلال عملیة الحوار التی هی أخذ ورد.

یبدو أن أخلاقیات النقاش عند هابر ماس تهتم بالمعاییر معاییر الفعل التواصلی وهو أمر لن یتم إلا فی إطار الدولة الدستوریة حتی یکون بإمکان المواطنین المشارکین فی سیاسة  تشاوریة أن یصلوا إلی تأسیس معاییر تحظی باحترام الجمیع وقبولهم ، فالمعاییر لیست قرارات شخصیة بل هی مؤسسة علی إمکانیة تبریرها تبریرا عقلانیا اعتمادا علی عملیة حواریة حجاجیة.

 


المبحث الثالث: السیاسیة التداولیة (التشاوریة)

تمهید:

لقد حرص هابر ماس مثلما رأینا من قبل _وهو بصدد إعادة بناء النظریة النقدیة _على تخطی أو تجاوز فلسفة الذاتیة ، فلسفة الوعی  والانتقال من مقولة الوعی والذات المهیمنتین على الفضاء الفلسفی الحدیث والمعاصر إلی مقولة أو فلسفة للتفاهم والتواصل بین الذوات.

وها هو فی نظریته السیاسیة ینادی بتحریر الفکر والفعل السیاسی من الخطاب المتمرکز حول فلسفة الذات أو الوعی وذلک بنقده مجمل النظریات التی تجعل الفعل السیاسی أو الاجتماعی مرتبطا بالذات ووعی الفرد والمأخوذ بشکل معزول  وربط هذا الفعل بالوعی المشترک لیصبح مجال الفعل السیاسی هو مجال بین ذاتی کما سیجعل منه فعلا أخلاقیا.([45])

وکان على رأس هذه النظریات أو التصورات :التصور اللیبرالی والجمهوری للدیمقراطیة واللذان یختلفان حول تحدید المواطن ومفهوم الحق وحول المسار الذی تتکون به الإرادة السیاسیة.

ینفتح هابر ماس على عالم العقلانیة التواصلیة ویقوم بنقد هاتین التصورین ویطور تصورا ثالثا یسمیه سیاسة تداولیة وهو من طبیعة إجرائیة . والسؤال الذی یطرح نفسه هل السیاسة التداولیة تجمیعا لمنافع السیاسة اللیبرالیة والسیاسة الجمهوریة وبدیلا عن مساوئهما؟

وإذا کانت کذلک أین نضع هذا النموذج الجدید هل ضمن خیارات الیمین الدینی والاقتصادی أم ضمن حسابات الیسار الاجتماعی والعمالی المناهض للعولمة ؟ ماذا لو یکون النموذج التداولی هو الخیار الثالث الذی تبحث عنه الشعوب الرافضة للبدائل؟

 

1- نقد هابرماس للمسارین اللیبرالی والجمهوری فی الدیمقراطیة:

لتوضیح مبررات بناء الدیمقراطیة التشاوریة قام هابرماس بتحلیل ونقد المنطلقات الفلسفیة للتصورین اللیبرالی والجمهوری وخصائصهما خاصة ما یتعلق بمفهوم المواطن ومفهوم

الحق وکذلک طریقة تصورهما للإرادة السیاسیة .

وقد سار فی هذا التحلیل علی خطی الفیلسوف والسیاسی الأمریکی وأستاذ القانون بجامعة هار فارد – فرانک مشلمان Frank michelman ، کما یتبین من قوله (سأشرع  علی ضوء أعمال فرانک  مشلمان بوصف هذین النموذجین للدیمقراطیة المتصارعین  فیما بینهما بصفة سجالیة وذلک من خلال وجهات نظرهما المختلفة حول تصورهما للمواطن والحق وطریقة تصورهما لطبیعة تشکیل الإرادة السیاسیة).([46])

یتحدد وضع المواطن فی التصور اللیبرالی من خلال الحقوق الذاتیة التی یمتلکها_وطالما یتمتع الأفراد بحقوقهم  ویتابعون مصالحهم الخاصة فی الحدود التی سطرها القانون فإنهم یستفیدون من حمایة الدولة ضد التدخلات الدولاتیة التی تتعدى التحدید القانونی للتدخل المشروع . إلی جانب الحقوق الذاتیة التی تعد حقوقا سلبیة یستفید المواطنون من حقوق سیاسیة إیجابیة تسمح لهم بالدفاع عن مصالحهم الخاصة بطریقة تجعلهم فی النهایة یشکلون إرادة سیاسیة یمکنها ممارسة تأثیر فی الإدارة إذا ما اشترکت مع مصالح أخری وبواسطة التصویت وتشکیل البرلمان وتکوین حکومة یمکن للذوات فی دورهم کمواطنین أنیضمنوا أن ممارسة السیاسة الدولاتیة سوف تکون عموما فی صالح أعضاء المجتمع ولیس فی صالح الحکام وبطانتهم.([47])

وعلی العکس فی التصور الجمهوری لا یتحدد وضع المواطنین عن طریق نموذج الحریات السلبیةnegative liberties  التی یمکن للمواطنین المطالبة بها ولکن تکون الحقوق السیاسیة هی – الحقوق البارزة للمشارکة والتواصل السیاسى _ حریات إیجابیة positive liberties . ولا تضمن هذه الحقوق السیاسیة  التحرر من القهر أو الإجبار الخارجی ولکنها تضمن إمکانیة المشارکة فی التطبیق العملی العام المشترک وذلک من خلال الممارسة التی یمکن للمواطنین من خلالها أن یحققوا هویتهم التی یریدوا أن یکونوا علیها فی الواقع.([48])

وإلی هذا المدى  فإن العملیة السیاسیة لا تهدف فقط للإبقاء على نشاط الحکومة تحت مراقبة المواطنین لأن السلطة الإداریة هنا  لیست سلطة أصلیة أی أنها لیست شئ ما معطی بدیهیا ، ولکن تظهر هذه السلطة الإداریة فی قوة المواطنین المتوالدة بصورة تواصلیة فی التطبیق العملی للتشریع الذاتی . وتجد السلطة شرعیتها فی أنها تحمی هذا التطبیق العملی عن طریق تشریع الحریة العامة ، وبالتالی فإن سبب وجود الدولة لا یکمن بصورة أساسیة فی حمایتها للحقوق الفردیة الخاصة ولکن فی ضمان تکوین الرأی والإرادة الشامل الذی یصل فیه المواطنین الأحرار والمتساوین إلى فهم حول الأهداف والمعاییر التی تکمن فی المصلحة المتساویة للجمیع.([49])

أما عن مفهوم الحق فإن اللیبرالیین یبنون النظام التشریعی بالاستناد إلى الحقوق الذاتیة أما الجمهوریون فیمنحون أولویة لمضمونه کحق موضوعی یجعل الاندماج فی حیاة  مشترکة قائمة على المساواة فی الحقوق وعلى الاستقلالیة والاحترام المتبادل مضمونا وممکنا . وبالنسبة إلی هابرماس لم یمسک کلا المفهومین بالمضمون البینذاتی للحقوق الذی یطالب باحترام متبادل للحقوق والإلزامات فی شروط اعتراف متناظرة.([50])

لاشک أن الطرق المختلفة للتصور ألمفاهیمی لدور المواطن والحق - مثلما یری هابرماس - إنما هی طرقا تعبر عن الاختلاف الأکثر عمقا حول طبیعة العملیة السیاسیة بین المذهب اللیبرالی والآخر الجمهوری : فمن وجهة النظر اللیبرالیة فإن العملیة السیاسیة لتکوین الرأی العام والتعبیر عن الإرادة السیاسیة یتمان فی الفضاء العمومی وبالتحدید فی البرلمان ویکون عن طریق التنافس بین الفاعلین الجماعیین والذین ینخرطون فی فعل استراتیجی بقصد الاستحواذ علی مواقع السلطة. علی هذا النحو تحقق المواجهة نجاحا معقولا حینما تنتج حالة من الرضا من طرف المواطنین علی الأفراد، والبرامج من خلال عدد الأصوات الممنوحة.هکذا یعبر الناخبون عن تفضیلا تهم عن طریق التصویت, وتمتلک القرارات الانتخابیة نفس البنیة التی تحکم اختیارات الفاعلین فی السوق حیث یتأسس الفعل من خلال البحث عن النجاح.([51])

أما فی التصور الجمهوری فالوضع  علی خلاف ذلک حیث لا یخضع تشکیل الرأی العام والإرادة السیاسیة - فی الفضاء العمومی وفی البرلمان- إلی بنی السوق وقوانین العرض والطلب والإنتاج والتبادل والاستهلاک وإنما إلی بنی مستقلة من التواصل الشعبی الموجه نحو التلاقی أو الفهم.([52])

وفی ختام مقارنته: رأی هابر ماس أن النموذج الجمهوری یتفوق على النموذج اللیبرالی لکونه یحتفظ بالمعنی الأصلی للدیمقراطیة ، من خلال الشرعیة المؤسساتیة للاستخدام الجماهیری للعقل الذی یمارسه بصورة تضامنیة مشترکة المواطنین المستقلین ذاتیا.([53])

وبعبارة أخری: النموذج  الجمهوری  یمتاز بکونه یتمسک بمعنی الدیمقراطیة الجذریة بما هی تنظیم ذاتی للمجتمع من قبل مواطنین یوحدهم التواصل، لکن رغم ذلک فهو یبدو نموذجا مثالیا جدا ویعلق المسار الدیمقراطی علی فضائل المواطنین الموجهة نحو الخلاص العام.

ویعتقد هابر ماس أن السیاسة لا ترد إلى مسائل التفاهم الأخلاقی فقط حول الهویة الجماعیة کما اعتقد الجمهوریون الذین بالغوا فی نظره فی رد المناقشات السیاسیة إلی الأخلاق. حقیقة تشکل المناقشات حول الهویة الجماعیة جزءا أساسیا مهما من السیاسة إذ بواسطتها یتفاهم الأفراد کأعضاء أمة واحدة أو جماعة أو دولة حول التقالید التی  یریدون تطویرها ونمط الحیاة المراد مع الآخرین ونمط المجتمع ، لکن فی ظل ظروف التعددیة الثقافیة  والاجتماعیة تخفی الاستراتیجیات السیاسیة فی غالب الأمر مصالح وتوجهات أکسیولوجیة لیست مقومة لهویة الجماعة فی مجموعها وتشکل حیاة مشترکة بصفة بینذاتیة.([54])

من هنا یری هابر ماس: أن العنصر الرئیسی للعملیة الدیمقراطیة یکمن فی إجراء السیاسة التشاوریة (الدیمقراطیة التشاوریة)(*) کحل وسط بین النموذج المعیاری والتجریبی. وهذه القراءة للدیمقراطیة لها معانی ضمنیة بالنسبة لمفهوم المجتمع الذی تم افتراضه فی نماذج الدیمقراطیة المدرکة بمعنی الذی تم افتراضه فی النظرة إلى المجتمع بوصفه متمثل فی الدولة. والقراءة المقترحة هنا تختلف عن کلا من المفهوم اللیبرالی للدولة بوصفها الحارسة والحامیة للمجتمع الاقتصادی والمفهوم الجمهوری للمجتمع الأخلاقی المؤسس فی الدولة .

وفقا لوجهة النظر اللیبرالیة فإن العملیة الدیمقراطیة  تحدث بصورة حصریة فی شکل الحلول الوسط (التسویات) بین المصالح ومن المفترض أن إنشاء قواعد حل الوسط (التسویة) یؤمن عدالة  النتائج من خلال حق الاقتراع أو التصویت الشامل و العادل والتکوین التمثیلی للهیئات البرلمانیة وأسلوب اتخاذ القرار وقواعد النظام..الخ ,ویتم فی نهایة المطاف تبریر مثل هذه القواعد للحل الوسط من خلال الحقوق الأساسیة اللیبرالیة .

أما وجهة النظر الجمهوریة فیتم التشکیل الدیمقراطی للإرادة وفق تفاهم أخلاقی سیاسی متعلق بالهویة الجمعیة... إن تکوین رأی وإرادة المواطنین یشکل الوسیلة التی من خلالها یشکل المجتمع نفسه ککل سیاسی. وانطلاقا من نفس البدایة فإن المجتمع هو مجتمع سیاسی لأن المجتمع یصبح واعیا ومدرکا بنفسه فی ممارسة المواطنین لتقریر المصیر الذاتی السیاسی .. ویعمل المجتمع معتمدا علی نفسه من خلال الإرادة الجماعیة للمواطنین, وبالتالی فإن الدیمقراطیة تصبح مساویة للتنظیم السیاسی للمجتمع ککل.([55])

لکن المجتمع فی الحقیقة – لا یأخذ  شکل کلیة سیاسیة إلا عبر إعادة  إحیاء فضاء عام سیاسی من خلاله یولد المواطنون من جدید وبإمکانهم الاستیلاء مرة أخری على سلطة الدولة المحولة ملکیتها لهم بصورة بیروقراطیة وذلک فی أشکال الحکم الذاتی غیر المرکزى وهذا بالضبط ما یحتاج إلیه النموذج الجمهوری  من وجهة نظر هانا أرندت.([56])

وفی تقویم هابر ماس لهذین التصورین نجده  یلوم اللیبرالیین علی کونهم أنکروا البعد الجماعی باسم فردانیة مضخمة  تسعی إلى شل البعد الجماعی الذی یبقی رغم کل شئ عنصرا مقوما للمسار السیاسی, هذا من جهة . وأما من جهة أخری فهو یشاطر الجمهوریین أهمیة تکوین جماعی للرأی والإرادة العامة لکن هذا التکوین لا یمکن أن ینبثق فی نظره عن هویة جمعیة مشترکة قویة ثم التفکیر فیها علی نمط الجماعة الأخلاقیة .هم یقدمون مفهوما إشکالیا للجماعة غیر متوافق مع الشروط التعددیة للحداثة. ووفقا لنظریة المناقشة  فإن نجاح السیاسة التشاوریة لا یعتمد على جماعة من المواطنین الذین یعملون بصورة جماعیة ولکنه یعتمد علی إرساء قواعد وأسس الإجراءات والظروف المصاحبة للتواصل, ویعتمد أیضا علی تفاعل العملیات التشاوریة مع الآراء العامة التی تم تطویرها بصورة غیر رسمیة وان السیادة الشعبیة والنظام السیاسی الإجرائی المرتبط  بشبکات المحیط الخارجی للمجال العام السیاسی یسیران معا فی صورة مجتمع لا مرکزی.([57])

لا تربط نجاح السیاسة Discourse theory وبعبارة أوضح: نظریة المناقشة التشاوریة بالمواطنین القادرین علی الفعل الجمعی و لکن بمأسسة  الإجراءات والشرط الملائمة للتواصل ومنح السیادة الشعبیة شکلا إجرائیا بربط النظام السیاسی بشبکات من .Repuplic Sphare

الفضاء العام السیاسی بهذا  المفهوم للدیمقراطیة لم یعد هابر ماس  مضطرا للعمل مع الفکرة العامة للمجتمع الکلی المتمحور فی الدولة والذی یتم تخیله بوصفه إرادة ملکیة کبیرة ذات نزعة نحو تحقیق هدف ، کما لا یمثل هذا المفهوم للدیمقراطیة الکل فی نظام من المعاییر الدستوریة التی تضبط وتنظم بصورة میکانیکیة توازن القوی والمصالح بالتماشی مع نموذج السوق تسقط نظریة المناقشة جمیع هذه الأفکار الرئیسیة ودوافع العمل التی تستخدمها فلسفة الوعی التی تقود الإنسان إلی أمرین: إما إسناد ممارسة تقریر المصیر الذاتی إلی الذات الکلیة للمجتمع مما یجعل المواطنون فاعلا جماعیا یعکس الکلیة ویفعل باسمها .أو إرجاع الهیمنة المجهولة للقوانین إلی الذوات الفردیة المتنافسة ، وفی هذه الحالة سوف یعمل الفاعلین کمتغیرات غیر مستقلة داخل مسارات السلطة یمکن أن یصدروا قرارات مشترکة لکن لیست قرارات جمعیة مأخوذة بصفة واعیة.([58])

وعلی العکس تماما تعتمد نظریة المناقشة علی التذاوتیة العلیا لسیرورة التفاهم التی تجری علی شکل مداولات ممأسسة  فی البرلمان من جهة وفی شبکات الفضاء العام السیاسی من جهة أخری.([59])

ربط هابرماس إذا الدیمقراطیة بنظریة المناقشة التی  تمکننا من تحدید الإجراءات وشروط التواصل التی تساهم فی التکوین السیاسی للرأی والإرادة ولها وظیفة شدیدة الحساسیة وهی الربط بین السلطة والفضاء العمومی.

إن هذا الفهم للدیمقراطیة _من وجهة نظر هابرماس _ یتطلب إعادة توازن فی الأهمیة النسبیة للمصادر الثلاثة التی تشبع منها المجتمعات الحدیثة احتیاجاتها للتکامل وتوجیه دفة أمورها وهی مصادر :المال والإدارة والتضامن وأن المعانی الضمنیة المعیاریة واضحة فإن قوة التضامن المتکاملة اجتماعیا التی لا یمکننا بعد الآن أن نستمدها من مصادر الفعل التواصلی فقط إنما هی قوة تضامن یجب أن تتطور من خلال مجالات متنوعة تنوعا واسعا ومستقلة ذاتیا وکذلک أیضا من خلال إجراءات التشکیل أو التکوین الدیمقراطی للإرادة والرأی المتأصل الجذور داخل الإطار الدستوری. وبالإضافة فإن هذه القوة للتضامن یجب أن تکون قادرة علی أن تحافظ علی تماسکها الذاتی ضد اثنین من المیکانزمات (الآلیات) الأخرى للتکامل الاجتماعی وهما: المال والسلطة الإداریة.([60])

 

2-  الإجراء الدیمقراطی ومشکلة الحیادیة:

إن مفهوم المناقشة أو الحوار للدیمقراطیة عند هابرماس من وجهة نظر_ نوربرتو بوبیو لا ینسجم فی الحقیقة مع شکل وأسلوب عمل المجتمعات المختلفة والمتمایزة وظیفیا . فقد لاحظ نوربرتو بعض التغیرات العالمیة الاجتماعیة والتی تتناقض مع وعد المفاهیم الکلاسیکیة .أولا وقبل کل شئ فلقد ظهر مجتمع متعدد المراکز للمؤسسات والتنظیمات الکبیرة التی تنتقل فیها السلطة السیاسیة والنفوذ إلی أیدی الفاعلین الجمعیین والتی یمکن للأفراد المرتبطین معا إکساب مثل هذه السلطة والنفوذ وممارستها بصورة أقل فأقل. وبالإضافة إلی ذلک فإن جماعات المصالح المتنافسة قد تضاعفت وکثرت لتجعل التکوین الطبیعی للإدارة صعبا. هذا فضلا عن أن تعقد أو نمو بیروقراطیات  الدولة ووظائفها دعم هیمنة الخبراء. وأخیراً فلقد أصبحت الجماهیر غیر المهتمة وغیر المبالیة والفاقدة الشعور مغتربة عن النخب المختارة التی أصبحت تشکل نظم الحکم الأولیغارشیة (حکومات الأقلیة المستقلة التی تنتهج الطریقة الأبویة فی معاملتها للمواطنین الذین لا یستطیعون التعبیر عن آرائهم المکبوتة).([61])

إن هذه الشخصیات المتشککة قادت نوربرتو إلی صیاغة حذرة للقواعد الدیمقراطیة للعبة وعلی  حد قوله :إن مقدمتی المنطقیة الرئیسیة هی أن الطریقة الوحیدة التی تکون بها المناقشة الهادفة ذات معنی للدیمقراطیة _بوصفها متمایزة ومختلفة عن کل أشکال الحکومات الأوتوقراطیة (حکم الفرد) الأخرى _ممکنة إنما هی اعتبار الدیمقراطیة ممیزة بمجموعة من القواعد التی تبنی وتحدد لنا من الذی یکون مفوضا لاتخاذ القرارات الجمعیة وما هی الإجراءات التی یجب تطبیقها.([62])

إن الدیمقراطیات تستوفی الحد الأدنى الإجرائی الضروری إلی الدرجة التی تضمن عنده الدیمقراطیات ما یلی :

1-    المشارکة السیاسیة لأکبر عدد من المهتمین بالدیمقراطیة بقدر الإمکان .

2-    حکم الأغلبیة للقرارات  السیاسیة .

3-    حقوق الاتصال أو  التواصل  العادیة ومعها حق الاختیار من بین برامج ونخب سیاسیة مختلفة.

4-    حمایة المجال الخاص الفردی  Private sphere([63])

 

إن میزة هذا التعریف للحد الأدنى لمتطلبات الدیمقراطیة یکمن فی طبیعته الوصفیة فهذا التعریف یفهم المحتوی المعیاری للأنظمة السیاسیة کما توجد بالفعل فی المجتمعات ذات النمط الأوربی المنظمة بوصفها دول –أمة ولهذا السبب فإن نوربرتو یستطیع الوصول إلی الاستنتاج بأن: لم یتم إفساد محتوی الحد الأدنى للدول الدیمقراطیة: بمعنی لم یتم إفساد ضمان الحریات الأساسیة ووجود الأحزاب المتنافسة والانتخابات الدوریة مع حق

الاقتراع الکلی الشامل والقرارات التی تکون جماعیة أو قرارات کنتیجة للتسویة والحلول الوسط أو القرارات التی یتم اتخاذها علی أساس مبدأ موافقة الغالبیة العظمی علیها أو القرارات التی تکون فی أی حال کنتیجة  للجدل المفتوح بین الشیع والأحزاب أو الحلفاء المختلفین لائتلاف الحکومة.([64])

وعلی الرغم من أن المناقشات الجدلیة الجماهیریة العامة بین عدة أحزاب یتم ذکرها بوصفها شرطا ضروریا للأسلوب الدیمقراطی لاتخاذ القرار،إلا أن التعریف المقترح_من وجهة نظر هابر ماس _ لا یتناول جوهر الفهم الإجرائی الحقیقی للدیمقراطیة ،لأنه یری الإجراء الدیمقراطی متعمق الجذور فی المحادثات والحوارات وعملیات المساومة وذلک عن طریق استخدام أشکالا للاتصال توعد وتبشر بأن تکون جمیع النتائج التی تم التوصل إلیها بالتماشی مع الإجراء إنما هی نتائج منطقیة.([65])

ولم یعمل بنجاح أی مفکر علی مثل هذا الرأی بصورة أکثر نشاطا وحیویة مثلما فعل جون دیوی .أی أن رأی هابرماس قد وافق رأی جون دیوی حینما أکد علی أن حکم الأغلبیة بوصفه مجرد حکم للأغلبیة فقط إنما هو على نفس درجة الحماقة مثله تماما مثل اتهام نقاده  بکونه سیطرة للأغلبیة علی الأقلیة ولکنه لا یکون أبدا حکما للأغلبیة ...إن الشئ الأکثر أهمیة هو الوسائل التی تصبح بها الأغلبیة أغلبیة بمعنی وسائل المجادلات السابقة وتعدیل وجهات النظر لتلبیة آراء الأقلیات.([66])

وأخیراً ما هو الإجراء الدیمقراطی الذی تصوره هابر ماس والذی تستمد منه القرارات الصحیحة مشروعیتها؟

یرى هابرماس: أن "جوشیه کوهین Joshua Cohen"

قد وصف لنا بصورة مقنعة منطقیا هذا الإجراء من خلال الفروض البدیهة التالیة:

1-  إن عملیات التشاور تحدث فی شکل جدلی بمعنی أنها تحدث من خلال التبادل المنضبط للمعلومات والأسباب بین الأطراف التی  تقدم المقترحات وتختبرها بصورة نقدیة.

2-  المشاورات شاملة وعامة فلا یجوز من حیث المبدأ استبعاد أی فرد فجمیع الأطراف المعنیة لها فرص متساویة للدخول والمشارکة فی هذه المشاورات .

3-  تکون المشاورات خالیة من أی إجبار أو إکراه خارجی حیث یکون لجمیع المشارکین السلطة السیادیة طالما تمسکوا وتقیدوا بفروض التواصل وقواعد المناقشة الجدلیة.([67])

4-  تخلو المشاورات من أی  إجبار أو إکراه داخلی یمکنه أن یشتت الانتباه عن مساواة المشارکین . ولکل مشترک من هؤلاء الفرصة المتساویة فی الاستماع وطرح الموضوعات وتقدیم الإسهامات واقتراح ونقد المقترحات، وأن تبنی مواقف /  نعم / لا / إنما یتم تشجیعه فقط عن طریق القوة الاختیاریة للحجة الأفضل.([68])

5-  تهدف المشاورات بصفة عامة إلى الجدل المثار بصورة عقلیة والذی یمکنه من حیث المبدأ أن یتم استمراره واستئنافه بصورة مؤکدة وفی أی وقت ولکن یجب أن تختم المشاورات بقرار صادر عن الأغلبیة العظمی بالنظر إلی الضغوط التی تفرض علیها لاتخاذ هذا القرار وبسبب أن حکم الأغلبیة مرتبط ارتباطا داخلیا بالممارسة التشاوریة فإن حکم الأغلبیة یبرر الأفتراض بأن رأی الأغلبیة المعرض للخطأ ربما یعتبر بأنه الأساس المنطقی المعقول للممارسة التشاوریة حتی إشعار آخر. وهذا یعنی حتی تقنع الأقلیة الأغلبیة بأن وجهات نظر الأقلیة صحیحة وعلی صواب.([69])

6-  تمتد المشاورات السیاسیة إلی أی موضوع یمکننا ضبطه فی ضوء المصلحة العامة للجمیع. ولکن هذا لا یعنی أن الموضوعات التی تعتبر خاصة وفردیة فی طبیعتها یمکن سحبها من المناقشة.([70]) 

إن کل اتحاد أو تجمع یضع الأسس الشرعیة لمثل هذا الإجراء التشاوری لأغراض الضبط الدیمقراطی لظروف حیاته المشترکة إنما هو اتحاد أو تجمع یشکل نفسه کهیئة للمواطنین وتشکل هذه الهیئة مجتمع قانونی خاص معین الحدود فی المکان والزمان وله أشکالاً محددة للحیاة والتقالید. ولکن مثل هذه الهویة الثقافیة المتمایزة لا یتم تعیینها بوصفها جماعة سیاسیة للمواطنین, وذلک لأن العملیة الدیمقراطیة تحکمها مبادئ عامة کلیة شاملة للعدالة التی تکون مکونة بصورة  متساویة لکل هیئة للمواطنین. وباختصار فإن الإجراء المثالی للمشاورة واتخاذ القرار إنما هو إجراء یفترض تحاملا له ارتباطا أو تجمعا فی  المواطنین یوافق علی ضبط وتنظیم شروط حیاته المشترکة بصورة حیادیة وأن ما یربط مجموعة من الأفراد معا فی جمعیة قانونیة إنما هو فی التحلیل النهائی تلک الرابطة اللغویة التی تجمع معا کل مجتمع تواصل.([71])

 

3-الفضاء العمومی: (المجال العام)والنموذج الثنائی المسار  للسیاسة التشاوریة

The Public Sphere and the two-track model of deliberative politics

یمیز هابر ماس فی فلسفته السیاسیة بین نطاقین أساسیین للسیاسة :غیر الرسمی والرسمی ویتألف النطاق غیر الرسمی _الفضاء العام السیاسی _من شبکة من المصادر التلقائیة من التواصل والخطاب. لنطلق علی هذا النطاق المجتمع المدنی , وتشمل أمثلة المجتمع المدنی: المنظمات التطوعیة والاتحادات السیاسیة  والإعلام . والأمارات الممیزة للمجتمع المدنی أنه لا یتحول إلى مؤسسة ولم یخلق لصنع القرار. وفی المقابل فالسیاسة بمعناها الرسمی تختص بالنطاقات المؤسسیة للتواصل والخطاب وهی مصممة  تحدیدا لصنع القرار, وتتضمن الأمثلة البارزة على السیاسة الرسمیة : البرلمانات ومجالس الوزراء والمجالس المنتخبة والأحزاب السیاسیة.

وإذا کنا مع هابرماس أمام مسارین للسیاسة (الرسمی وغیر الرسمی) فنحن أیضا مع بعدین للسلطة السیاسیة :السلطة التواصلیة  والسلطة الإداریة وتکمن السلطة التواصلیة فی المجتمع المدنی وفی منتدیات التشاور والخطاب المدمجة فی هیئات صنع القرار, أما السلطة الإداریة فتمکن فی بیروقراطیة الدولة والحکومة . تقوم أطروحة هابرماس الأساسیة علی أن المؤسسات السیاسیة الدیمقراطیة السلیمة  تترجم بنجاح السلطة التواصلیة إلى سلطة إداریة . ولکن بحسب النظریة الاجتماعیة لهابرماس إدارة الدولة جزء من النظام الذی توجهه معاییر الکفاءة الأداتیة،فی حین أن المجتمع المدنی جزء من العالم المعیش وعلی حد قوله :إن الساحات المؤسسیة للخطاب والتشاور إمتدادات سیاسیة للعالم المعیش.

وإذا کان التمایز بین العقلانیة التواصلیة والأداتیة والعالم المعیش والنظام محددا تحدیدا واضحا کما تبین ذلک النظریة الاجتماعیة لهابرماس(*)، وإذا کان تکامل العالم  المعیش ینهار بفعل تدخل النظام فکیف یتم الحصول علی الترجمة المنشودة للسلطة التواصلیة إلی سلطة إداریة ؟ لم لا یطمس الأثر التحضری للخطاب الأخلاقی والخطاب الخلقی بفعل ألیات العمل الجامدة للإدارة ؟

هذا فضلا عن أن هابر ماس قد أبدی ترددات کثیرة فیما یخص الاشتغال الواقعی للفضاء العمومی فی المجتمعات الحدیثة , ففی لحظة أولی یذکر بأهمیة الفضاء العمومی بوصفه مجالا لتکوین إرادة عامة ولکنه فی هذه الفترة لم یکن غافلا عن فساد الفضاء العمومی الذی عرفته مجتمعات  الرأسمالیة المتقدمة.

وفی سنوات الستینات کانت رؤیة هابرماس مطبوعة بالحنین والتشاؤم التاریخی: لم یعد الإعلان عنصرا إخباریا أکبر لتشکیل رأی عام متنور، بل أصبح تقنیة للتحکم الاجتماعی لم یعد موضوع السیاسة هو الفرد فی التقلید اللیبرالی وإنما مختلف المجموعات الاجتماعیة التی تقوم تمایزاتها فی المنافع وعلاقات القوی برسم حدود التدخل العمومی([72]) فی مقابل وضعیة من هذا الصنف والخطر الذی تحتویه لأجل ممارسة تصور معین للدیمقراطیة ,لا یری هابر ماس أی حل آخر غیر إعلان نقدی وحده یضمن وجود فضاء عمومی فی مأمن من کل إعادة إقطاع مستقبلیة . یجب علی الحوار أن یسمح فی نفس الوقت بالتعبیر عن الصراعات الواقعیة وباستخراج تراضی حقیقی , وعلیه خصوصا أن یؤکد علی أن المجتمع المدنی فی بعض الشروط قادر بالفعل علی ممارسة تأثیر فی الفضاء العمومی , مادام  الحوار یحتفظ دائما بقدرته علی تقدیم ترجمة أفضل للمشاکل العالقة, رغم الوصول غیر المتکافئ لهذا الفضاء ورغم القدرات المحدودة.

لذلک فإن هابرماس یضطر إلی تعدیل تمثله للفضاء العمومی فی المجتمع الحدیث وبالتنظیر له بوصفه نظام إنذار مجهز بهوائیات تحس جیدا بمشاکل المجتمع مادام ذلک النظام یتغذی بتجمعات متناثرة للفاعلین الاجتماعیین الذین یملکون القدرة علی  صیاغة المشاکل بطریقة مقنعة ومؤثرة وتعضیدها بواسطة مساهمات برلمانیة.([73])

إن مجموع التنظیمات اللادولتیة وغیر الاقتصادیة ذات الأساس التطوعی هی التی تستقبل وتعید توجیه المشاکل الاجتماعیة الخاصة بمجالات الحیاة الخصوصیة داخل الفضاء العمومی السیاسی .إن الفضاء العمومی فی الحقیقة  یعکس الممارسة الدیمقراطیة  ویقدم للمواطنین الشعور بالمشارکة الفعلیة فی الحیاة السیاسیة.([74])

 

 

 

 

مفهوم الفضاء العمومی (المجال العام)

یعرف هابرماس المجال العام باعتباره مساحة اجتماعیة تتیح لأفراد المجتمع النقاش الجماعی الحر وتکوین رأی عام فیما یتعلق بالمصالح والقضایا المشترکة بینهم بهدف الوصول إلی توافق بشأن المصلحة العامة وکیفیة تحقیقها.([75])3

ولتحقیق هذا التوافق یؤکد هابر ماس علی ضرورة أن یتسم المجال العام بمجموعة من السمات والخصائص تتمثل فیما یلی:

1-  المساواة وعدم التمییز ، فالمجال العام یقوم علی تکوین علاقات وصلات اجتماعیة بین الأفراد المختلفین تتأسس علی المشترک الإنسانی والمساواة وتفوق الحجة الأقوى ولیس التراتبیة الطبقیة وبعیدا عن تأثیر القوة أو النفوذ الاجتماعی أو الاقتصادی أو المنصب العام.

2-    إتاحة نقاش جمیع القضایا المشترکة بین أفراد المجتمع والتی کانت من قبل حکرا علی الدولة.

3-  إتاحة المجال العام للجمیع فهو مجال مفتوح لکل أفراد المجتمع للمشارکة والفعل فیه (inclusive) ولیس حصریا علی فئة أو مجموعة معینة أو محددة مسبقا (exclusive).([76])

وقد ربط هابر ماس نشأة المجال العام بنشأة الدولة القومیة الحدیثة  بتنظیماتها المؤسسیة علی المستوی السیاسی وتقنیاتها التکنولوجیة وتعدد واتساع أدوات تداول ونقل المعلومات , حیث حقق اقتصاد السوق الاستقلال الاقتصادی للأفراد عن الأسرة والعائلة بالتحول من الاقتصاد المنزلی إلی اقتصاد السوق، ومن ثم منحهم _وفق الرؤیة الحداثیة_فرصا متساویة للتنافس فی المجال (سیاسیا ولیس فقط اقتصادیا). کما فصل بین المجال الخاص والمجال العام بعد أن کانا متداخلین ومترابطین حیث کانت تعتبر الأسرة  الوحدة الأولیة فی عملیة الإنتاج وکان رب الأسرة هو العائل الاقتصادی الذی یعتمد علیه أفراد الأسرة ترتب علی ذلک تفکک العائلة وغیرها من الوحدات والتکوینات الاجتماعیة القائمة  علی علاقات القرابة وتراجع مکانتها فی المجتمع لصالح علاقات المصلحة والإنتاج . وسیاسیا تم التوسع فی نشر وتوزیع السلطة نتیجة تزاید المهام ما ترتب علیه انتشار وزیادة مساحات سلطة وسیطرة الدولة مع التزاید الشکلی للدیمقراطیة ومشارکة الأفراد فی عملیة صنع القرار وضبط وتقنین العلاقات الاجتماعیة خاصة العلاقة بین الدولة والمجتمع الحاکم والمحکوم والفصل ین الدینی والسیاسی.([77])

الأساس الاقتصادی _مثلما رأی هابر ماس _هو الذی هیئ لظهور المجال العام فالتطورات الاقتصادیة أتاحت الفرصة للأفراد أن یسلکوا فی مجتمع قائم علی  التبادل السلعی متحررین من الضغوط السیاسیة , هذه الحریة الجدیدة هی التی أتاحت للمواطن حریة الرأی والنقاش فی المجال العام.

وقد أوضح هابرماس علی أن هناک نوعین من الحقوق هما : حق التعبیر عن الرأی والحق فی أن یصبح هذا الرأی مؤثرا ، وهو ما یؤکد لدیه المبادئ المتعلقة بالحریات والسیاسات الدیمقراطیة  ومنها : مبدأ المناقشة الحرة للقضایا والنقد العقلی فی الشئون السیاسیة مع إمکانیة تحول الرأی إلی عملیة حوارا عقلیا نقدیا متحررا من الهیمنة.([78])

وقد أثار طرح هابرماس حول المجال العام الکثیر من النقاشات بل والنقد فی الفکر الغربی وأبرز من کتب ذلک المفکر الایطالی أرماندو سلفاتور Armando Salvatore حیث انتقد تصور هابرماس عن نشأة المجال العام فی العصر الحدیث فی أوروبا الغربیة ونفیه وجود جذور تاریخیة له قبل ذلک وتجاهله النماذج غیر الغربیة للمجال العام واقتصاره علی الصورة الغربیة الحدیثة فقط معتبرا المفهوم نتاجا خالصا لمنظومة الحداثة الغربیة .

ومن ثم نفیه علاقة المجال العام بالتراث سواء التراث الغربی ما قبل الحداثی أو التراث غیر الغربی لحضارات ومجتمعات أخری ساهم تطورها المجتمعی والفکری فی تطویر المجال العام ظاهرة ومفهوما.

إن المجال العام _مثلما یری سلفاتور _لیس ظاهرة حداثیة لم تکن موجودة من قبل فی العصر الحدیث کما أنه لیس ظاهرة قاصرة علی المجتمعات الغربیة فحسب بل وجدت فی مجتمعات وحضارات أخری .ومن ثم یرکز سلفاتور قی کتابه المجال العام: "الحداثة اللیبرالیة والکاثولیکیة والإسلام" علی دراسة تاریخ تطور المجال العام صعودا وهبوطا فی ثقافات مختلفة (الغرب الحدیث وأوروبا المسیحیة والإسلام) بالترکیز علی  دور التراث فی رسم خریطة هذا التطور بل فی تطویر المفهوم ذاته ؛ حیث یری أن فکرة المجال العام فی صورتها الحدیثة ذات جذور سابقة فی صورمختلفة من التراث مهدت لتکوین المجال العام فی شکله الحدیث . وأن هذه الأفکار والصور المختلفة من التراث تؤکد وجود بدائل تاریخیة للطریقة التی تشکلت بها العلاقة بین المجتمع والسلطة لتکوین الرأی العام.([79])

ومن ناحیة أخری کان للاتجاه النسوی وبخاصة Alane makee  نصیب فی نقد سمات المجال العام عند هابرماس. حیث تری فی مؤلفها :"مقدمة فی المجال العام "أن هابرماس یتصور المجال العام بشکل مثالی حیث یجب أن یتعامل المجال العام فقط مع قضایا جادة ویجب ألا یکون مثیرا للعواطف أو سهل الدخول إلیه أو استهلاکیا تجاریا ویجب أن یتضمن حجج عقلانیة منطقیة فقط دون توجهات عاطفیة أو سطحیة .ومن ثم فإن ما یشهده المجال العام من تطور فی القرن الحادی والعشرین یمثل فی تصور هابرماس تراجعا وتدهورا فی طبیعة المجال العام عما کان علیه المجال العام البرجوازی  نتیجة طغیان الاستهلاک الرأسمالی علیه.([80])

وبصرف النظر عن النقد الذی وجه إلى هابرماس من قبل سلفاتور أوغیره _فیما یتعلق بالمجال العام _إلا أن الطرح الهابرماسی لمفهوم المجال العام یعد جزءا لا یتجزأ من منظومة الحداثة الغربیة ، بل إن هذا المفهوم جاء فی محاولة لإنقاذ الحداثة والحفاظ علی بقائها من خلال نقد سلبیاتها ومحاولة إصلاحها واستعادة مصداقیتها معتبرا أن الحداثة مشروع لم یکتمل بعد . جاء هذا المفهوم فی إطار نقده للحداثة الغربیة التی أدت إلى تراجع المشارکة السیاسیة للأفراد ، واستطاع هابر ماس بنظریته فی المجال العام والرأی العام أن یسد نقص وعیوب لدی النظریات اللیبرالیة ونظریات العقد الاجتماعی المفسرة لنشأة السلطة الدیمقراطیة والسیادة الشعبیة . فهذه النظریات تؤسس الإرادة العامة علی مجرد قدرة المواطنین علی التعبیر عن آرائهم وتؤسس شرعیة ممارسة السیادة علی الرأی العام إلا أنها تتصور هذا الرأی کما لو کان یصدر تلقائیا عن المواطنین . بینما یوضح لنا هابرماس أن الرأی العام والإرادة العامة لا یتشکلان إلا فی نطاق مجالا عاما له شروطه البنائیة ووضعه الخاص فی المجتمع ,أضف إلى ذلک امتلاکه لعلاقات ذات طبیعة خاصة تربط بینه وبین المجتمع المدنی والدولة.([81])

وفی تطویر هابر ماس لمبدأ السیادة الشعبیة نجده  یقسم لنا المتطلبات المعیاریة للشرعیة بین الهیئات التشاوریة الدستوریة وبین التواصل غیر الرسمی للمجال الجماهیری العام, ویضع عبء الشرعیة السیاسیة على التبادل بین النظامین. ففی حین یعمل المجال الجماهیری العام بوصفه "سیاق کلام للاکتشاف" تتحمل الهیئات التشاوریة المؤسساتیة العبء الجدلی الأقوى "سیاق کلام التبریر".([82])

وهذا یضع قدرا کبیرا من العبء المعیاری على نوعیة التواصل داخل الفضاء العام وعلى التفاعل بین المجالین ، الرسمی وغیر الرسمی . وهذا التقسیم للعمل بین المجالات المؤسساتیة وغیر المؤسساتیة للمشاورة إنما هو تقسیم یعتمد على القوی النسبیة للمجالین من أجل التغلب على ضعف کلا منهما. فإذا قلنا أن المجال السیاسی الرسمی هو مجال قوی فی قدرته المفوض بها للعمل فی صنع واتخاذ القرارات ، لکن هذا المجال لدیه قدرة ضعیفة علی اکتشاف المشکلات التی تتطلب عملاً سیاسیاً، من هنا یؤدی المجال الجماهیری العام هذا الدور . وداخل الفضاء العمومی یبرز الدور الریادی لأخلاقیة المناقشة المستند علی الحوار والحجة والبرهان بحیث تسعی الذوات المشارکة فی العملیة الحواریة إلی الدفع بالنقاش إلی حدوده القصوی فی إطار التفاهم وتبادل الحجج ,الاتفاق والإجماع بالإضافة إلی الاعتراف المتبادل بالأخر.([83])

وهکذا تتأسس العملیة التشاوریة  للدیمقراطیة بحیث یساهم کل أفراد المجتمع فی بلورة رأی عام من خلال المناقشة الحرة والنقد العقلانی للقضایا والشؤون السیاسیة وهذا لا یتیسر إلا إذا تحرر الرأی العام والعقل من الهیمنة السیاسیة. من هنا یطالب هابرماس بتحریر الفضاء العمومی من کل العوائق الأیدولوجیة والأوهام سواء الوضعیة أو العلمویة أو المارکسیة وذلک عن طریق انفتاحها علی باقی المعارف الأخرى وکفها عن الإدعاء الکلاسیکی بقدرتها علی إدراک الحقیقة لوحدها لأن الحقیقة أصبحت مسألة جماعیة تساهم فیها عدة أطراف مشارکة.

الفضاء العمومی هو الوسیط الحقیقی بین النظام السیاسی من جهة والقطاعات الخاصة للعالم المعیش ومنظومات الحرکة المتخصصة وظیفیا من جهة أخری.

وما دامت الضمانات المؤسساتیه أیا کانت أهمیتها عاجزة عن حمایة الفضاء العمومی والمجتمع المدنی من کل تشویه , فإن هابرماس یستنتج بأنه یجب حمایة البنیات التواصلیة فی الفضاء العمومی بواسطة مجتمع مدنی حیوی، یمکنه فی ظروف أخری ممارسة تأثیر فی الفضاء العام بغرض زعزعة التنظیمات البرلمانیة والحکومات وبالفعل فی الفضاءات العامة للدیمقراطیات الغربیة التی تهیمن علیها وسائل الإعلام یتحسس المجتمع المدنی بأشکاله المختلفة المشاکل ویکتشفها . ورغم أن الإشارات التی یصدرها عموما ضعیفة جدا کما یبین هابر ماس لکنها تسمح فی أجال سریعة بإعادة توجیه مسارات القرار المأخوذ من قبل.([84])

و علی حد قوله: (فی المجتمعات المعقدة یشکل الفضاء العام بنیة وسیطة بین النظامین السیاسی من جهة والقطاعات الخاصة للعام المعیش وأنساق الفعل المحددة بصفة وظیفیة من جهة أخری). ([85])

 

4- إعادة البناء للقانون 1:

- نظام الحقوق

لعل الهاجس الأکبر لهابرماس هو إعادة بناء نسق الحقوق ومنظومة المواطنة المعاصرة بحیث یخلصها من القیمة الإستعمالیة ویمنحها قیمة تداولیة ، ویتجاوز الهوة التی تفصل الملکیة الخاصة مع حریة المجتمعات، ویتخطی التوتر القائم بین حقوق الإنسان وسیادة الشعوب. یری هابرماس أن الارتباط بین الحریات الفردیة الخاصة والاستقلال الذاتی المدنی هو ارتباط مربک ومحیر؛ فلم ینجح أحد فی المصالحة والتسویة بینهما وذلک علی مستوی مفاهیمی کما هو واضح من العلاقة الغیر واضحة بین الحقوق الفردیة والقانون العام فی مجال  الفقه والتشریع ، وکما هو واضح أیضا من التنافس غیر المحسوم بین الحقوق الإنسانیة والسیادة الشعبیة فی نظریة العقد الاجتماعی .

والصعوبات هنا لا تنبع من  مقدمات منطقیة معینة متأصلة الجذور فی فلسفة الوعی فحسب وإنما أیضا تنبع من التراث المیتافیزیقی الموروث من القانون الطبیعی وبصورة أساسیة تبعیة القانون الوضعی للقانون الطبیعی أو الأخلاقی.([86])

فالتقالید اللیبرالیة تدرک الحقوق الإنسانیة بوصفها تعبیراً عن تقریر المصیر الذاتی الخلقیMoral self determination (المبادئ النابعة من داخل الإنسان نفسه فیما یتعلق بالصواب والخطأ)، بینما یمیل المذهب الجمهوری المدنی إلی تفسیر السیادة الشعبیة بوصفها تعبیرا عن تحقیق الذات الأخلاقی Ethical self-Realization.

وانطلاقًا من کلا المنظورین فإن الحقوق الإنسانیة والسیادة الشعبیة لا یکملا بصورة متبادلة بعضهما البعض تمامًا بنفس الدرجة التی یتنافسا بها بعضهما مع بعض أی أن بینهما تنافس أکثر من التکامل.([87])

وهذا ما أکد علیه فرانک میتشلمان حینما رأى فی التقلید الدستوری الأمریکی توترًا بین الدور اللاشخصی للقانون المبنی علی أساس الحقوق الإنسانیة الفطریة والتنظیم الذاتی التلقائی للمجتمع الذی یصنع قانونه من خلال الإرادة السیادیة للشعب . ولکن هذا التوتر یمکن حله وتسویته من جانب ما أو من جانب الآخر واستحضر اللیبرالیون خطر "طغیان الغالبیة العظمى" وافترضوا بصورة بدیهیة أولویة الحقوق الإنسانیة التی تضمن الحریات السیاسیة المسبقة للفرد ووضع اللیبرالیون قیودا على الإرادة السیادیة للمشرع السیاسی.وعلى العکس فإن المدافعین عن المذهب الجمهوری المدنی أکدوا على أهمیة القیمة الجوهریة المتأصلة للتنظیم الذاتی المدنی، بحیث أن الحقوق الإنسانیة یکون لها طبیعة ملزمة للمجتمع السیاسی فقط بوصفها عناصر لتقلیدها الذاتی المسیطر بصورة واعیة.وبینما تفرض جمیع الحقوق الإنسانیة من وجهة النظر اللیبرالیة نفسها على نظرتنا الأخلاقیة بوصفها شیء بدیهی مسلم به متأصل الجذور فی الحالة الخیالیة للطبیعة إلا أن الإرادة السیاسیة الأخلاقیة لجماعیة تحقیق الذات وفقاً للجمهوریین إنما محظور علیها الاعتراف بأی شیء لا یتطابق مع مشروع حیاتها الأصلی الخاص بها، وفی حالة ما فإن اللحظة الإدراکیة الخلقیة The Moral Cognitive تهیمن , وفی الحالة الأخرى فإن اللحظة الإرادیة الأخلاقیة Ethical Volitional تهیمن.([88])

وعلى سبیل التباین والتضاد (بین الحقوق الإنسانیة والسیادة الشعبیة ) فإن روسو وکانط سعیا نحو هدف إدراک الفکرة العامة للاستقلال الذاتی بوصفها الموحدة للعقل العملی والإرادة السیادیة. وبالرغم من ذلک فإنهما لم ینجحا أیضًا فی تفسیر مفهوم الحقوق الإنسانیة والإرادة الشعبیة بأسلوب متوازن وبصورة عادلة. وفی مجمل الأمر فلقد اقترح کانط المزید من القراءة اللیبرالیة للاستقلال الذاتی، واقترح روسو المزید من القراءة الجمهوریة للاستقلال الذاتی السیاسی. ([89])

 إن العلاقة الداخلیة التی نسعی إلیها بین الحقوق الإنسانیة والسیادة الشعبیة _من وجهة نظر هابرماس _ تکمن فی حقیقة أن نظام الحقوق یوضح بدقة الشروط التی بمقتضاها یمکن بصورة قانونیة إضفاء شرعیة علی أشکال التواصل الضروریة من أجل تکوین وإنشاء القانون الشرعی . ولا یمکن لنظام الحقوق بأن یتم اختصاره إلی قراءة أخلاقیة Ethical Reading(الأخلاق بمعنی القواعد المفروضة علینا من مصدر خارجی مثل قواعد سلوک العمل أو المبادئ الدینیة) للسیادة الشعبیة. ولا یمکن اختصاره إلی القراءة الخلقیة Moral Reading (الأخلاق بوصفها المبادئ النابعة من داخل الانسان فیما یتعلق بالصواب والخطأ) للحقوق الإنسانیة. وذلک لأن الاستقلال الذاتی الفردی الخاص للمواطنین لا یمکن بأن نضعه فوق أو تحت (تابع) الاستقلال الذاتی السیاسی لهؤلاء المواطنین.

وتکشف الأصالة المشترکة للاستقلال الذاتی الخاص والعام عن نفسها أولا عندما نفک شفرة الفکرة الرئیسیة لإضفاء الشرعیة الذاتیة فی الشروط النظریة للحوار والتی وفقا لها فإن الأشخاص الموجه لهم القانون هم فی نفس الوقت المؤلفین لحقوقهم . وحینئذ فإن جوهر الحقوق الإنسانیة یکمن فی الشروط الرسمیة لإضفاء شرعیة قانونیة علی هذه العملیات المنطقیة لتکوین الرأی والإرادة التی تلعب فیها سیادة الشعب دورا ملزماً.([90])

وبعد هذا التغیر فی المنظور فإنه لم یعد فی استطاعتنا _علی حد تعبیر هابرماس -بعد الآن تأسیس وبناء الحقوق التواصلیة والمشارکة فی الحوار بصورة متساویة انطلاقًا من نقطة الأفضلیة أو المیزة Vantage Point حیث یصبح المواطنین أنفسهم هم الذین یتداولون (یتبادلوا المشورة والرأی لإصدار الحکم)، ویعملون بوصفهم جمعیة دستوریة لیقرروا کیف یجب علیهم صیاغة الحقوق التی تعطی مبدأ الحوار شکله القانونی بوصفه مبدأ للدیمقراطیة. ([91])

ووفقا لمبدأ الحوار فإن المعاییر التی تستحق بأن تکون صالحة هی التی تحظی بالموافقة وبالتالی یجب على الحقوق السیاسیة المرغوب فیها بأن تضمن المشارکة فی جمیع عملیات المداولة  (تبادل الرأی والمشورة) , واتخاذ القرارات المتصلة بالتشریع، ویجب على هذه الحقوق السیاسیة المرغوب فیها ضمان تحقیق هذه المشارکة بالطریقة التی تزود بها کل شخص بالفرص المتساویة لممارسة الحریة التواصلیة لاتخاذ موقف حول مطالب الصدق الممکن تنفیذها . وتتطلب الفرص المتساویة للاستخدام السیاسی للحریات التواصلیة  Communicative Freedoms تمرین عملی على المدلولات الموجهة بصورة قانونیة التی یتم فیها تطبیق مبدأ الحوار، وتمامًا مثلما تشیر الحریة التواصلیة Communicative Freedom (وبصورة مسبقة قبل أی تأسیس) إلى المناسبات الملائمة لاستخدام اللغة الموجهة نحو الفهم المتبادل، فکذلک الحال أیضا مع الحقوق السیاسیة، وبصفة خاصة حقوق الاستخدام العام للحریة التواصلیة - حیث تنادی هذه الحقوق السیاسیة بالمشروعیة القانونیة للأشکال المتنوعة للتواصل ، ولتطبیق الإجراءات الدیمقراطیة، ویقصد من هذه الإجراءات الدیمقراطیة ضمان أن جمیع النتائج الصحیحة بصورة رسمیة وإجرائیة هی نتائج تتمتع بافتراض الشرعیة وتنتج حقوق المشارکة المتساویة لکل شخص بالتالی عن الانتشار المتناسق للحریة التواصلیة لجمیع المواطنین، وتتطلب هذه الحریة التواصلیة بدورها أشکالاً منطقیة لتکوین الرأی والإرادة التی تمکن المواطنین من ممارسة استقلالهم الذاتی بالتماشی مع الحقوق السیاسیة.([92])

وإذا قدمت نظام الحقوق بهذه الطریقة فإنه یمکن فهم الکیفیة التی تسیر بها بصورة متوافقة السیادة الشعبیة والحقوق الإنسانیة معاً یدً بید، وبالتالی یمکن لنا فهم التداخل والارتباط المتبادل بین الاستقلال الذاتی المدنی والخاص، ولا یقتصر ویتقید مجال الاستقلال العام للمواطنین بالحقوق الطبیعیة أو الأخلاقیة التی تنتظر فقط وضعها موضع التنفیذ القانونی ولا یتم تشریع الاستقلال الذاتی الخاص للفرد فقط من أجل أغراض السیادة الشعبیة، فلا یوجد هناک شیء یتم إعطاءه بصورة مسبقة قبل ممارسة المواطن لتقریر المصیر الذاتی سوى مبدأ الحوار . الذی تم بناءه داخل شروط الارتباط التواصلی بصفة عامة، والبیئة القانونیة بمثل هذه الصورة وإذا ما کان یجب تطبیق مبدأ الحوار بوصفه المبدأ الدیمقراطی بمساعدة الحقوق التواصلیة والمشارکة فإنه یجب حینئذٍ استخدام البیئة القانونیة لدعم الحقوق اللیبرالیة. وبالتأکید فإن بناء النظام القانونی بمثل هذه الصورة یعنی بصورة ضمنیة حقوق الحریة التی یتولد عنها وضع الأشخاص القانونیین والتی تضمن نزاهة هؤلاء.([93])

وإذا کان هابر ماس قد أقام نظام الحقوق علی أساس مبدأ الحوار والذی أتخذ الشکل القانونی فیعود ویؤکد علی أنه فلن یکفی مبدأ الحوار ولن یکفی الشکل القانونی (للعلاقات المتفاعلة) لتأسیس أی حق. ویمکن لمبدأ الحوار بأن یفترض لنفسه شکل المبدأ الدیمقراطی من خلال بیئة القانون فقط بالدرجة التی یتم بها لمبدأ الحوار والبیئة القانونیة بأن ینفذا ویتطورا داخل نظاما للحقوق الذی یدخل الاستقلال الذاتی العام والخاص Private and Public Autonomy فی علاقة افتراضیة متبادلة. وبالعکس إن کل ممارسة للاستقلال الذاتی السیاسی ترمز إلى کلاً من تفسیر وتحسین هذه الحقوق التی لم تصل إلى نقطة التشبع الجوهری، وذلک عن طریق المشرع التاریخی، وهذا یصدق أیضًا على الحقوق السیاسیة التی یتم استخدامها فی هذه العملیة حیث یجب تحدید المبدأ القائل :بأن "کل سلطة حکومیة تنبع وتستمد من الشعب"، وذلک بالتماشی مع الظروف فی شکل حریات الرأی والمعلومات، وحریات الارتباط والتجمع وحریات المعتقد والضمیر والاعتراف الدینی وحقوق الاشتراک فی الانتخابات السیاسیة وعملیات التصویت وحقوق العمل فی الأحزاب السیاسیة أو حرکات المواطنین.... الخ.([94])

وهکذا لا یعود الحق مشتقا من الأخلاق أو من حالة طبیعیة مفترضة بل هو مؤسس علی قواعد المناقشة والفهم المتبادل بین المواطنین بوصفهم شرکاء قانونیین وإجتماعیین وهو  إجراء  یسمح بوضع القانون بطریقة عینیة تخول للمواطنین الاعتراف بالحقوق لبعضهم بعضا إذا ما أرادوا تسییر حیاتهم المشترکة بصفة شرعیة وبوسائل القانون الوضعی .

إذن وفقا للمنظور التواصلی للحق یتخذ المواطن دور المشرع فیتداول ویناقش ویقرر طریقه من الحقوق وبذلک یضفی علی مبدأ المناقشة أو الحوار الصورة القانونیة لمبدأ دیمقراطی.

 

5- إعادة البناء للقانون 2

- مبادئ الدولة الدستوریة:

1-1 العلاقة الداخلیة بین القانون والسلطة السیاسیة

یری هابرماس: أن العلاقة الداخلیة بین القانون والسلطة السیاسة یشوبها التوتر بین الحقائقیة والشرعیة(*)[95]داخل القانون.

 

وهذا التوتر یظهر بصورة مبدئیة فی بعد الشرعیة القانونیة (بوصفه توترا بین الوضعیة وشرعیة القانون) ویظهر داخل نظام الحقوق(بوصفه توترا بین الاستقلال الذاتی الخاص والعام).

ویتسع أفق هذه المنظورات عندما نقدم فکرة الدولة الدستوریة حیث أننا نتحرک من الحقوق إلى السلطات المنظمة دستوریًا التی من المفترض بأن ترتبط وتتقید ممارستها بالقانون المشروع. وبمجرد تطبیق القانون بصورة انعکاسیة على السلطة السیاسیة التی یفترضها القانون بصورة مسبقة فإن التوتر بین الحقائقیة والشرعیة ینتقل بالطبع إلى بعد آخر حیث یعاود هذا التوتر الظهور فی السلطة السیاسیة المنظمة دستوریًا. وترتکز سلطة الدولة على التهدید بالعقوبات المدعمة بوسائل القوة والقهر التی تحتفظ بها الدولة فی جعبتها, ولکن فی نفس الوقت هذه السلطة للدولة مرخصة بالقانون الشرعی . وتمامًا مثلما هو الحال فی الشرعیة القانونیة فإن اللحظتین الاثنتین للقهر والمطالبة بالشرعیة المعیاریة یتم أیضًا دمجهما فی قوة القرارات السیاسیة الملزمة بصورة جماعیة أی الملزمة لجمیع المواطنین , وذلک على الرغم من أن هذا الدمج یتم بالطریقة المعاکسة وبینما یطالب القانون بصورة جوهریة بالشرعیة المعیاریة بصرف النظر عن موضوعیته (کقانون موضوعی) فإن السلطة تکون تحت تصرف الإرادة السیاسیة بوصفها الوسیلة لتحقیق الأهداف الجماعیة وذلک بصرف النظر عن القیود المعیاریة التی ترخص للدولة بمثل هذه السلطة. وبالتالی فإنه إذ ما نظرنا بصورة تجریبیة إلى القانون فإنه غالبًا ما یزودنا فقط بالشکل الذی یجب على السلطة السیاسیة الاستفادة منه.

 وانطلاقًا من وجهة نظر معیاریة فإن هذه الحقائقیة Facticity لسلطة خارجة على القانون وغیر مشروعة یبدو بأنها تعکس وتقلب الأشیاء وذلک بالدرجة التی تضفی بها شرعیة على القانون. ویکشف التحلیل المفاهیمی عن التوتر بین الحقائقیة والشرعیة الذی نجده فی السلطة السیاسیة فی حد ذاتها, بالدرجة التی تکون عندها الشرعیة Validity داخلیاً بالقانون , وفی علاقة هذه السلطة السیاسیة بالقانون فإنه  یجب علی هذه السلطة السیاسیة بأن تضفی شرعیة علی ذاتها.([96])

1-2- إعادة بناء العلاقة الداخلیة بین القانون والسلطة السیاسیة

لقد أدرک هابرماس أن الانطلاق من التنازع بین المعیاریة القانونیة والأخلاقیة إشکالیة لا یمکن حلها ؛ إلا من خلال تجاوز مفاهیم العقلانیة الوظیفیة ولصالح العقلانیة التواصلیة  ومن هنا کان علیه أن یعید  تأسیس مفهوم السلطة، وتحریر القانون من نفوذ نظریة السیادة من منظور سوسیو قانونی ممکن من خلال تولید السلطة التواصلیة وعبر آلیات المداولة والحوار، وترسیخ فهم القانون باعتباره متوسط بین الوقائع والمعاییر. وبالتالی یمکنه تجاوز الإجرائیة الشکلیة لصالح نظریة قانون مادیة ومرتبطة بالواقع الاجتماعی ومتغیراته. کما سیوفر الحوار من خلال المجال العام السیاسی أو البنیة التواصلیة أساسا مقبولا من ناحیة العقلانیة التواصلیة لإلزامیة القوانین بدون إکراهات إنضباطیة أو إلزام المجتمع بمعاییر أنتجت بمعزل عن الواقع.

 

أولاً: السلطة التواصلیة The Communicative Power:

ولکی نعید بناء العلاقة الداخلیة بین القانون والسلطة السیاسیة ومن ثم یتحقق الاستقلال الذاتی السیاسی ویتم إنتاج القانون المشروع (الذی یکتسب شرعیة)، ویجب علینا _من وجهة نظر هابرماس_ حشد تعبئة الحریة التواصلیة للمواطنین.ووفقا لهذا التفسیر فإن التشریع یعتمد علی تولید نوع آخر من السلطة وهی بصورة أساسیة السلطة التواصلیة (سلطة التحکم والسیطرة علی سلوک المعارضین للوصول إلی اتفاق بإجماع الآراء وهی تعبیرا عن الاستقلال الذاتی للمواطنین).([97])

والتی تقول عنها حناه أرندت: أنها سلطة لا یستطیع أحد فی الحقیقة امتلاکها ؛هی سلطة تظهر بین الأفراد عندما یعملون معا وتختفی لحظة أن یفترق ویتشتت هؤلاء بعضهم عن بعض.([98])

والسلطة التواصلیة عند هابر ماس هی الوسیلة للتعبیر عن المحتوی الرادیکالی الدیمقراطی للسیادة الشعبیة .غیر أن تلک السلطة لیست قمعیة أو قهریة إذ لیس قوامها الإکراه والهیمنة لأنها نابعة من الفعل الجماعی أنها التواصل السیاسی عندما یغدو مؤسسات فی دولة الحق والقانون.

وبما أن السلطة الناتجة بصورة تواصلیة لیست هی نفس السلطة الموظفة بصورة إداریة فإن هابرماس یقترح بأن نمیز السلطة الإداریة عن السلطة التواصلیة وبأن ننظر إلی القانون بوصفه الوسیلة لترجمة السلطة التواصلیة إلی السلطة الإداریة. لأن تحویل السلطة التواصلیة إلی سلطة إداریة هو تحویل یکون له طبیعة التفویض داخل إطار التشریع القانونی؛ حینئذ یمکننا تفسیر فکرة الدولة الدستوریة بوصفها المطلب بأن یتم ربط النظام ا"لإداری الذی یتم توجیهه من خلال قانون السلطة بالقوة التواصلیة لإصدار القانون وبأن یتم المحافظة علی هذا النظام الإداری خالیا من التدخلات غیر الشرعیة للسلطة الاجتماعیة(بمعنی القوة الحقائقیة للمصالح الممیزة علی فرض وتأکید نفسها).([99])

ویفترض من القانون العمل بوصفه المحول للسلطة التواصلیة وتکون ممارسة سلطة الدولة من خلال القوة الإداریة هی فقط ممارسة شرعیة إذا ما کانت مرتبطة ومقیدة بالسلطة التواصلیة المتولدة بصورة منطقیة.

وبالتماشی مع هذا النموذج فإن کلا من القانون والسلطة التواصلیة لدیهما مصدرهما الأصلی الداخلی المتبادل الذی یربطهما معا فی الرأی الذی یتوصل إلیه الکثیرون فی اتفاق حوله بصورة علانیة معا".([100])

وهذا المفهوم للسلطة والذی أخذه هابرماس عن ارندت یعد مخالفا لمفهوم "ماکس فیبر" عن السلطة والذی رأی الظاهرة الجوهریة للسلطة بوصفها احتمالا بأنه یمکن للإنسان فی العلاقة الاجتماعیة فرض وتأکید إرادته الخاصة علی معارضیه.

بینما تؤکد أرندت أن السلطة بوصفها القدرة علی الإرادة المشترکة العامة تتشکل فی تواصل غیر قهری وغیر إجباری بین المواطنین.([101])

ومن هنا فقد عارضت ارندت" العنف Violence وفضلت علیه السلطة بمعنى أنها عارضت القدرة على استخدام إدارة الإنسان الآخر لخدمة أغراضنا الذاتیة الخاصة وفضلت عنه قوة التواصل التی تحقق الاتفاق بإجماع الآراء التی تهدف من  التواصل إلى تفاهم عن طریق الحوار حیث تقول " ارندت" أن السلطة لا تتطابق مع قدرة الإنسان على العمل فقط ولکن مع قدرة الإنسان على العمل فی توافق وانسجام أیضًا. ([102])

ولا تدرک "ارندت" السلطة السیاسیة_ویوافقها هابرماس الرأی _ بوصفها إمکانیة لإثبات وتأکید المصالح الذاتیة الخاصة أو لتحقیق الأهداف الجماعیة، کما لا تدرک السلطة السیاسیة بوصفها السلطة الإداریة لتطبیق القرارات الملزمة بصورة جماعیة فحسب . ولکن بوصفها قوة مفوضة یتم التعبیر عنها فی "إنشاء قانون مشروع"، وفی تأسیس المؤسسات  وتظهر السلطة السیاسیة نفسها فی الأوامر التی تحمی الحریة السیاسیة وذلک فی المقاومة ضد أشکال القمع التی تهدد الحریة السیاسیة داخلیاً وخارجیًا وأولاً وقبل کل شیء فی الأعمال المؤسسة للحریة التی تخرج "القوانین والمؤسسات الجدیدة" إلى حیز الوجود.([103])

 

ثانیا: القانون بین الوقائع والمعاییر:

من منظور علم الاجتماع القانونی Law of  Sociology  ثمة إشکالیة أساسیة أثارها ماکس فیبر تتعلق بکون عملیة التشریع غیر کافیة من الناحیة المعیاریة حیث تصدر القوانین فی کثیر من الأحیان دون محتوی معیاری متأصل بخلاف محدودیة الالتزام بالقانون المستندة إلی قناعة المخاطبین الذاتیة حیث یظل الإکراه والترهیب ضروریین لفرض القانون . وهذه الإشکالیة هی التی تجعل من الممکن تصور الفجوة بین قانونیة الإکراهات الانضباطیة مثل حظر التظاهر والتعبیر السلمی عن الرأی أو القیود المفروضة علی حریة الاعتقاد وممارسة الشعائر الدینیة من جهة والمشروعیة العقلیة المجردة لمثل هذه القوانین أو الأعمال الإداریة غیر المتوافقة مع المعاییر الأخلاقیة رغم سلامة إجراءاتها الشکلیة من جهة أخری. ([104])

إن الاشکالیة الفیبریة بشأن عدم توافق القوانین مع المعاییر الأخلاقیة العملیة وثیقة الصلة بتناقض جوهری داخل هذه المعاییر نفسها حیث تؤسس من ناحیة الحق العام المتساوى ومن ناحیة أخری تبرر وظیفة الدولة القمعیة وهو ما اشرنا إلیه باعتباره مفارقة نظریة السیادة .

من هنا رأی هابرماس أنه فی مجتمع ما بعد الدولة الوطنیة والدولة الأمة لا یمکن للشرعیة إلا أن تمر عبر الفضاء العمومی الذی ینهل موارده من العالم المعیش حیث توجد الذوات .ولتکریس هذا التصور, وتأصیله فلسفیا یعود هابرماس إلی الأخلاق لصیاغة نظریة فی المناقشة باعتبارها نظریة ذات أفق سیاسی تؤطر العالم المعیش والفضاء العمومی بأخلاقیات(أخلاقیات التواصل ) تتیح لجمیع الذوات التی تمتلک القدرة علی المحاججة والفعل العقلانی تبریر إدعاءاتها للصلاحیة (تنحدر هذه المبادئ الأربعة مما یطلق " بالحالة المثالیة للکلام"أو الشروط الصادقة لخطاب یتوخی احترام معاییر الصدق الصارمة أو ما یطلق علیه أیضا جماعة التواصل غیر المحدودة عند هابرماس  وهی صورة المجتمع الذی یتواصل فیه أعضاؤه  بطریقة سلیمة ویمکن اعتبارها شروطا لا یستقیم من دونها تواصل عقلانی بین المتحدثین .

وهی تذکر بالأسس التی یقوم علیها مجتمع قوی لغوی لأن الأفراد ما لم یتقاسموا مرجعیة لغویة مشترکة لا یمکنهم بحال من الأحوال تحقیق التواصل المنشود .أضف إلی ذلک إذا کان لابد من لغة مشترکة لتحقیق التواصل بین أفراد ینتمون إلی المجتمع نفسه , فنظریة أخلاقیات النقاش بلورت هذه المبادئ الأربعة لتجنب السقوط فی الاستقواء بین الأفراد وضمان تواصل معافى یقوم علی  المعقولیة والصدق والدقة (المصداقیة) والحقیقة فیما یدعونه.([105])

بالتالی فهذا لن یکون إلا عبر وسیط القانون ,الذی یلزم السلطة باحترامه والذوات کذلک ما سیغلق الباب أمام التذرع بأی دعاوی دینیة فی بناء شرعیة سیاسیة معینة .

یتقاطع العالم المعیش والنسق فی الواقع عبر وسیط هو القانون الذی یعمل کوسیط وکقوة تمنح العالم المعیش الشرعیة التی یتأسس علیها النظام السیاسی والاقتصادی من أجل ضمان التقدم بشکل آمن.  وبعبارة أخری یقول هابرماس : إن شرعیة القانون تستمد صلاحیتها من إتاحتها الإمکانیة لکی یشتغل العالم المعیش باستقلالیة تامة عن نسق السلطة والاقتصاد الذی یغترف فی نهایة المطاف شرعیته من هذا العالم الذی لا یمکن بأی حال من الأحوال قبول التأثیر فیه عن طریق المال أو السلطة.([106])

یبین هابرماس فی مؤلفه "الحق والدیمقراطیة" أن القانون بصفته وسیطا نسقیا قادر علی التأثیر فی بنیات التواصل داخل العالم المعیش. وفی هذا السیاق یمیز هابرماس بین أربعة اتجاهات تاریخیة_ علی حد وصف مارتوشیلی _ فی تعاملها مع وسیط القانون .

1-    الدولة البرجوازیة التی سعت إلی تنظیم العلاقات والنظم الاجتماعیة عن طریق القانون العام .

2-    دولة القانون المدنی البرجوازیة التی صکت دستورا یحمی المواطنین ضد تعسف السلطة السیاسی

3-  دولة الدیمقراطیة التی تضمن الحریات المدنیة والتی اعترفت للأفراد بحق الممارسة الاقتصادیة والسیاسیة بکل استقلالیة کما ضمنت الاعتراف بالآخرین .

4-  دولة الرفاه التی ضمنت الحقوق المدنیة خارج الهیاکل البیروقیراطیة للنسق .وإنطلاقا من هذه التصورات یشید هابرماس تصوره للدولة علی أساس مکتسبات دولة الرفاه التی أصبحت فیها القوانین تنظم بشکل صارم العلاقات بین الهیاکل البیروقیراطیة  داخل الدولة وهو ما یمنع استعمال المال للتأثیر فی الفضاء العمومی والعالم المعیش.([107])

 

وقد سعی هابرماس لتطویر نظریته حول القانون بصفته  مؤسسة ووسیلة وسیطة یمکنها معبرة العلاقات بین العالم المعیش والنسق وهو ما سیفرض علی هابرماس التمییز بین تصورین أساسیین: تصور القانون کنظام والقانون باعتباره مؤسسة وما یشکل الرابط بینهما هو الوظیفة التی یقومان بها والمتمثلة فی ضمان الحقوق .

وحول هذه الفجوة التی یقیمها بین القانون کنظام والقانون کمؤسسة فالحقوق غایتها ضمان وشرعنة الأهداف العلیا للنظام الدیمقراطی  فالقانون من وجهة النظر هذه یحمی الأفراد ویهیئ لهم البیئة المثلی داخل العالم المعیش حتی لا تؤثر فیه السلطة والمال .

ویمیز هابرماس بین نوعین من القانون : القانون بصفته وسیطا بین المؤسسات والأفراد والقانون بصفته نسقا یعطی الشرعیة الأخلاقیة فی المؤسسات للقیام بعملها فمن یوظف

القانون فی إستعمار العالم المعیش ویضفی الشرعیة علی نسق السیاسة والاقتصاد سیؤدی ذلک إلی العصیان المدنی .غیر أن العصیان المدنى عند هابرماس یجب أن یکون شرعیا علی الرغم من الإجراءات غیر القانونیة فإن العصیان المدنی لایجب أن یؤدی إلی تعطیل النظام القانونی لأن له طابعا رمزیا لذلک یدعو هابر ماس إلی أن تکون القرارات والإجراءات القانونیة تمنح صیاغتها من العالم المعیش لکی تکون شرعیة ومبرره.

ویعارض هابرماس بشدة  التفسیر الوضعی للقانون  الذی ینظر إلیه من منطلق الوسیلة

ویؤکد علی ضرورة أن ننظر للقانون من زاویة أخلاقیة معیاریة لأنه الکفیل بتنظیم الحیاة الاجتماعیة بین النسق والعالم المعیش للفاعلین . وهذه المعاییر لایحبذ هابرماس أن یجد سندها فی السلطة القهریة بل یجب أن یتأسس القانون علی معاییر أخلاقیة وهو ما سیتعرض له هابرماس لانتقادات شدیدة لأنه لا یمکن بأی حال أن ترتبط القوانین بالأخلاق وتکون فی نفس الوقت ملزمة . وهو ما یرفضه هابرماس بدعوی أن المعاییر الأخلاقیة تسمح للذوات ببناء الإجماع انطلاقا من عوالمهم المعیشیة بناءا علی العقل والحجج العقلانیة فی التبریر هکذا نجد أن الشرط الأول الذی یضعه هابرماس لضمان سیرورة عقلانیة للخطاب فی دولة الحق هو أن یکون جمیع ا"لأفراد فی الوضعیة المثالیة للکلام مستفیدین من شروط متساویة للتعبیر والتشاور حول القضایا المطروحة ففی الوضع المثالی للکلام تطرح الحجج الأخلاقیة والقانونیة والعملیة للتشاور بین الذوات المعنیة وعلی أساس التشاور یتم ما أجمعوا علیه وتصبح ملزما أخلاقیا بما یضمن مصالح الجمیع  ویحافظ علی العلاقات التذاوتیة کمصدر وحید للشرعنة فی المجتمع .

لاشک أن تناول هابرماس مسألة الشرعیة والعدالة ووضعها علی صعید المناقشة والوصول إلی الإجماع کانت محل نقد لاذع حیث یری لیوتارد أن التأکید علی إدعاءات الصلاحیة والحوار البرهانی یفترض أمرین:

الافتراض الأول : أن کل المتکلمین یمکنهم الاتفاق علی القواعد الصالحة بشکل کلی .

أما الافتراض الثانی : فیتمثل فی کون الإجماع لیس إلا حالة من حالات المناقشة ولیس غایة , بالإضافة إلی ذلک فإن الإجماع أصبح قیمة مشکوک فیها .إن ما یجب التأکید علیه فی مجتمعات الحداثة البعدیة هو مسألة العدالة ذلک أنه یتعین بأن الوصول إلی فکرة وممارسة العدالة لا تکون مرتبطة بفکرة وممارسة الإجماع.([108])

هذا فضلا عن أن حالة الحوار المثالیة باعتبارها حالة من غیر الممکن تحقیقها فی ظل السیاقات الاجتماعیة المعاصرة ؛ والتی تدرک علم السیاسة بصورة أساسیة بوصفه ساحة أو میدان للتنافس والصراع لعملیات السلطة والنفوذ.

وعلی سبیل الاختلاف والتباین بین هابرماس ورولز فی تصورهما للعدالة نجد أن هابرماس ربط الشرعیة بالعدالة فالشرعیة تستلزم العدالة واهتم هابرماس بشرعیة القانون  بینما اهتم رولز فی حدیثه بعدالة توزیع الخیرات الطبیعیة وبالقضاء علی عدم التکافؤ فی توزیع تلک الخیرات . وفی ذلک یقول : إن مبادئ العدالة تتضمن أسلوب توزیع الحقوق والواجبات فی المؤسسات الاجتماعیة الأساسیة وبواسطتها توصل الناس إلی توزیع صحیح للخیرات.([109])

ویؤکد رولز أنه یجب أن یکون هناک مقیاسا للاختیار فی الحیاة الاجتماعیة  ومن وجهة نظر رولز العدالة هی الفضیلة الأساسیة للمؤسسات الاجتماعیة وأساس الترتیب الاجتماعی  للمجتمع ولذلک یجب علی جمیع الحلول السیاسیة والقانونیة أن تدخل فی إطار هذا المبدأ .

وأخیرا نتساءل: لماذا یجب علینا ان نفضل النموذج التشاوری علی نموذج المشارکة غیر التشاوریة مثلا أو علی النموذج الاجرائی الخاص؟ هنا یجیب Maeve cooke,: یوجد خمسة حجج مؤیدة  للدیمقراطیة التشاوریة

1-    القدرة التنظیمیة التربویة لعملیة التشاور العامة.

2-    قوة خلق وتقویة المجتمع لعملیة التشاور الجماهیری العام.

3-    عدالة إجراء التشاور الجماهیری العام.

4-    الصفة المعرفیة لنتائج التشاور الجماهیری العام.

5-    یتطابق المثال الأعلی للسیاسة التی تعبر عن الدیمقراطیة التشاوریة مع هویتنا وکیاننا.([110])

وعلی أیة حال تظل لأفکار هابرماس أهمیتها الخاصة فیما یتعلق بإعادة البناء للقانون وتجاوز مفهوم الدیمقراطیة الدستوریة الإجرائیة.


خاتمة وتقییم

 

لقد ولدت عملیة التحدیث مواقف إنتقادیة عدیدة من قبل بعض الفلاسفة ؛ فالنظریةالنقدیة مثلا کانت تعتبر التحدیث بأنه غائیة  بدون غایة للعقلانیة الأداتیة مع هور کهایمر.أو صیرورة لا عقلیة للعقل وبنهایة الفرد بالنسبة لأدورنو ، أو بالتداخل العضوی بین التقنیة والسیطرة باعتبار أن العقلانیة تتضمن مشروعا لاستخدام الأشیاء والناس فی الوقت نفسه کما قال مارکوز .أما هیدجر فقد اعتبر بأن التقنیة امتداد للمیتافیزیقا الغربیة وهی إرادة الإرادة والتحکم الکلی فی الموجود سقوطا مربعا لماهیة الإنسان. وبالرغم من أن هابرماس یستلهم کثیرا من قضایا وأسالیب تفکیره من هذا التراث النقدی إلا أن نقده  للعقلانیة الو سائلیة (الأداتیة ) لم یجعله یتخذ من السلب والنفی والنقد مبدأه الموجه ویجعل من الفلسفة أداة لتفکیک الأفکار والمعتقدات الرائجة . کذلک لم یدفعه هذا النقد إلى التخلی عن فلسفة الأنوار کلیة وتبنی مفاهیم ما بعد الحداثة ورفضها  للعقلانیة وإنما أعاد هابر ماس بناء النظریة النقدیة ومن ثم تقدیم تصور جدید ومغایر لعملیة التحدیث التی تسیر وفق نسق مغلق یخلق دائما عقلانیة أداتیة بارة أو جامدة وتقدیم نموذج آخر من نماذج العقلنة المسماة العقلانیة التواصلیة.

ویعد انجاز هابرماس الفکری والأساسی هو تطویر مفهوم ونظریة العقل التواصلی والتی تتمیز عن التراث العقلی الأوروبی بموضعة العقلانیة فی هیکل الاتصال اللغوی بین الأفراد ولیس فی هیکل کونی الفاعل فیه هو الإنسان العارف .

فالعقلانیة تتجسد فی اللغة وباللغة ، ویتم التواصل بین الأطراف المشارکة فی حوار یراد منه الوصول إلی تفاهمات بصدد قضیة أو مجموعة من القضایا.و لم یقف هابرماس عند التأکید علی دور اللغة  فی جعل التواصل ممکنا بل أکد أیضا علی الدور الهام الذی یلعبه العالم المعیش بفضل  مکوناته المتمثلة فی کل من الثقافة والمجتمع ثم الشخصیة فهذه المکونات تمثل مرجعیة وخلفیة النشاط التواصلی .. وبانتقال هابرماس من مرتبة العقلنة إلی العقلانیة یجد نفسه بمشروعه هذا مدافعا عن میراث الأنوار فی مواجهة مباشرة مع الرافضین لهذا المشروع الذی حکم علیه بالإفلاس والنهایة وأوجبوا تجاوزه إلی عصر المابعدیات : ما بعد الحداثة ،ما بعد الصناعة إنه عصر النهایات : نهایة الحداثة ، نهایة التقدم ، نهایة الصناعة .هؤلاء الناقدون لمیراث دیکارت وکانط وهیجل من أمثال : دریدا وفوکو وجان فرانسوا ولیوتار ورورتی وجان بودریار من المتشککین والنیتشویین .

لقد أعاد هابرماس إذن الثقة فی الحداثة الغربیة بالکشف عن منطق أخر فی التطور یمثل عقلانیة تواصلیة أدت إلی زیادة العقلنة الاجتماعیة فی الأخلاق والقانون وإلی ظهور تنظیمات دیمقراطیة. نظر هابر ماس إلی هذه الانجازات على أنها تطور حقیقی موازی للتطور فی قوی الإنتاج ویکشف عن فرع أخر فی العقلنة لیس وظیفیا أداتیا بل تواصلیا.

وللوصول إلى إجماع فی إطار التفاهم یحدد هابر ماس معاییر نصادق على صلاحیتها أو نصل إلى حقیقتها من خلال الاستناد إلى ادعاءات الصلاحیة وهی :المعقولیة   , الحقیقة, الدقة ,الصدق وهی . أیضا تقاس بمعیار الحقیقة , فحقیقة ملفوظ ما هو الذی یثبت وجود شیء واقعی ما. إذن الحقیقة هی إدعاء الصلاحیة المرتبطة بملفوظات نثبتها  ومعنی الحقیقة یتضح من خلال الاستعمال أو التداول فالحقیقة تتضح من خلال تداولیة نوع معین من مقولات أفعال الکلام .و قد استند هابرماس هنا إلی نظریة أفعال الکلام عند أوستن (J. L. AUSTIN) والذی قام بدراسة تعدد وظائف اللغة ووصل فی الأخیر أن لها وظیفة وصفیة وتقدیم إثباتات کافیة.

ولکی نتجنب انحرافات العقل وکذلک المجال العمومی اشترط هابرماس أخلاقا تواصلیة تعتمد علی ما اسماه "التداولیات الکلیة". واهتمام هابر ماس بسؤال الأخلاق لم یکن فی بعده المیتافیزیقی بل فی بعده التواصلی إذ معه دشن هابر ماس ما اصطلح علیه أخلاقیات النقاش ؛ الهدف منها توظیف منطق نظریة الفعل التواصلی  بقصد بلورة نظریة الفعل التواصلی انطلاقا من أخلاقیات النقاش أو الحجاج. وفی أخلاقیات النقاش لا ینظر هابرماس للأخلاق على أنها موضوعا للتنظیم, بل یعتبرها منهجا أو إجراء یسمح بتحدید معاییر عادلة لزاویة النظر الأخلاقیة. لذا لم یدع هابر ماس معاییر لأخلاقیات النقاش تکون نابعة من الذات علی نحو ما فعل کانط والتقلید الفلسفی عامة بل إنه سعی إلى جعله نظریة تبحث فی الطرق والإجراءات السلمیة التی تمکن الذات المتفاعلة فیما بینها من التواصل عبر الحوار إلى صیاغة تلک المعاییر الأخلاقیة.

حرص هابرماس وهو بصدد إعادة بناء النظریة النقدیة على تخطی أو تجاوز فلسفة الذاتیة ، فلسفة الوعی , والانتقال من مقولة الوعی والذات المهیمنتین على الفضاء الفلسفی الحدیث والمعاصر إلی مقولة أو فلسفة للتفاهم والتواصل بین الذوات . وها هو فی نظریته السیاسیة ینادی بتحریر الفکر والفعل السیاسی من الخطاب المتمرکز حول فلسفة الذات أو الوعی وذلک بنقده مجمل النظریات التی تجعل الفعل السیاسی أو الاجتماعی مرتبطا بالذات ووعی الفرد والمأخوذ بشکل معزول , وربط هذا الفعل بالوعی المشترک لیصبح مجال الفعل السیاسی هو مجال بین ذاتی کما سیجعل منه فعلا أخلاقیا. وکان على رأس هذه النظریات أو التصورات: التصور اللیبرالی والجمهوری للدیمقراطیة واللذان یختلفان حول تحدید المواطن, ومفهوم الحق, وحول المسار الذی تتکون به الإرادة  السیاسیة. وفی تقویم هابرماس لهذین التصورین نجده یلوم اللیبرالین علی کونهم أنکروا البعد الجماعی الذی یبقی رغم کل شیئ عنصرا مقوما للمسار السیاسی الدیمقراطی , هذا من جهة. ومن جهة أخری فهو یشاطر الجمهوریین أهمیة تکوین جماعی للرأی والإرادة العامة . لکن هذا التکوین لا یمکن أن ینبثق فی نظره عن هویة جمعیة مشترکة قویة ثم التفکیر فیها علی نمط الجماعة الأخلاقیة.هم یقدمون مفهوما إشکالیا للجماعة غیر متوافق مع الشروط التعددیة للحداثة. وهکذا لا یری هابرماس أی جدوی من اللجوء إلی أفق الذات للتأویل السیاسی سواء کانت ذات فردیة جزئیة لدی اللیبرالیة , أو ماکرو ذات لدی الجماعاتیة . فکلتاهما یکتفهما  هاجس فلسفة الوعی التی تقترح أحد الأمرین:

إما إسناد ممارسة تقریر المصیر الذاتی إلی الذات الکلیة للمجتمع مما یجعل المواطنون فاعلا جماعیا یعکس الکلیة ویفعل باسمها , أو إرجاع الهیمنة المجهولة للقوانین إلی الذوات الفردیة المتنافسة . وفی هذه الحالة سوف یعمل الفاعلین کمتغیرات غیر مستقلة داخل مسارات السلطة یمکن أن یصدروا قرارات مشترکة لکن لیست قرارات جمعیة مأخوذة بصفة واعیة. ونظریة المناقشة أو الحوار _عند هابرماس _لا تربط  نجاح السیاسة التشاوریة بوجود المواطنین القادرین علی الفعل الجمعی, لکن بمأسسة الإجراءات والشروط اللازمة للتواصل ومنح السیادة الشعبیة شکلا إجرائیا بربط النظام السیاسی بشبکات من الفضاء العام السیاسی .

بهذا المفهوم للدیمقراطیة لم یعد هابر ماس  مضطرا للعمل مع الفکرة العامة للمجتمع الکلی المتمحور فی الدولة والذی یتم تخیله بوصفه إرادة ملکیة کبیرة ذات نزعة نحو تحقیق هدف . کما لا یمثل هذا المفهوم للدیمقراطیة الکل فی نظام من المعاییر الدستوریة التی تضبط وتنظم بصورة میکانیکیة توازن القوی والمصالح بالتماشی مع نموذج السوق . تسقط نظریة المناقشة جمیع هذه الأفکار الرئیسیة ودوافع العمل التی تستخدمها فلسفة الوعی , وتعتمد علی التذاوتیة العلیا لسیرورة التفاهم التی تجری علی شکل مداولات ممأسسة فی البرلمان من جهة وفی شبکات الفضاء العام السیاسی من جهة أخری. ربط هابرماس إذن  الدیمقراطیة بنظریة المناقشة التی  تمکننا من تحدید الإجراءات وشروط التواصل التی تساهم فی التکوین السیاسی للرأی والإرادة ولها وظیفة شدیدة الحساسیة وهی الربط بین السلطة والفضاء العمومی.

وبوصول هابرماس إلی هذه النتیجة یکون قد میز لنا فی  فلسفته السیاسیة بین نطاقین أساسیین للسیاسة : غیر الرسمی, والرسمی. ویتألف النطاق غیر الرسمی _الفضاء العام السیاسی _من شبکة من المصادر التلقائیة من التواصل والخطاب, لنطلق علی هذا النطاق المجتمع المدنی . وتشمل أمثلة المجتمع المدنی: المنظمات التطوعیة والاتحادات السیاسیة  والإعلام . والأمارات الممیزة للمجتمع المدنی أنه لا یتحول إلى مؤسسة ولم یخلق لصنع القرار. وفی المقابل فالسیاسة بمعناها الرسمی تختص بالنطاقات المؤسسیة للتواصل والخطاب وهی مصممة  تحدیدا لصنع القرار. وتتضمن الأمثلة البارزة على السیاسة الرسمیة : البرلمانات ومجالس الوزراء والمجالس المنتخبة والأحزاب السیاسیة .وإذا کنا مع هابرماس أمام مسارین للسیاسة (الرسمی وغیر الرسمی ) فنحن أیضا مع بعدین للسلطة السیاسیة :السلطة التواصلیة  والسلطة الإداریة وتکمن السلطة التواصلیة فی المجتمع المدنی وفی منتدیات التشاور والخطاب المدمجة فی هیئات صنع القرار. أما  السلطة الإداریة فتمکن فی بیروقراطیة الدولة والحکومة .

 ویعد الفضاء العمومی هو الوسیط الحقیقی بین النظام السیاسی من جهة والقطاعات الخاصة للعالم المعیش ومنظومات الحرکة المتخصصة وظیفیا من جهة أخری. لقد أبدی هابرماس  ترددات کثیرة فیما یخص الاشتغال الواقعی للفضاء العمومی فی المجتمعات الحدیثة ,إذ لم یکن غافلا عن فساد الفضاء العمومی الذی عرفته مجتمعات  الرأسمالیة المتقدمة. لکنه اضطر إلی تعدیل تمثله للفضاء العمومی فی المجتمع الحدیث  وبالتنظیر له بوصفه نظام إنذار مجهز بهوائیات تحس جیدا بمشاکل المجتمع . ولأهمیة الدور الذی یلعبه الفضاء العمومی  قسم لنا هابرماس المتطلبات المعیاریة للشرعیة بین الهیئات التشاوریة الدستوریة وبین التواصل غیر الرسمی للمجال الجماهیری العام, ویضع عبء الشرعیة السیاسیة على التبادل بین النظامین. ففی حین یعمل المجال الجماهیری العام بوصفه "سیاق کلام للاکتشاف"  تتحمل الهیئات التشاوریة المؤسساتیة العبء الجدلی الأقوى "سیاق کلام التبریر".

 وبصرف النظر عن النقد الذی وجه إلی هابرماس فیما یخص الاشتغال بالفضاء العمومی إلا أن هذا الطرح الهابرماسی لمفهوم المجال العام یعد جزءا لا یتجزأ من منظومة الحداثة الغربیة , بل إن هذا المفهوم جاء فی محاولة لإنقاذ الحداثة والحفاظ علی بقائها من خلال نقد سلبیاتها ومحاولة إصلاحها واستعادة مصداقیتها معتبرا أن الحداثة مشروع لم یکتمل بعد. جاء هذا المفهوم فی إطار نقده للحداثة الغربیة التی أدت إلى تراجع المشارکة السیاسیة  للأفراد . واستطاع هابر ماس بنظریته فی المجال العام والرأی العام أن یسد نقص وعیوب لدی النظریات اللیبرالیة ونظریات العقد الاجتماعی المفسرة  لنشأة السلطة الدیمقراطیة والسیادة الشعبیة. فهذه النظریات تؤسس الإرادة العامة علی مجرد قدرة المواطنین علی التعبیر عن آرائهم, وتؤسس شرعیة ممارسة السیادة علی الرأی العام إلا أنها تتصور هذا الرأی کما لو کان یصدر تلقائیا عن المواطنین . بینما وضح لنا هابرماس أن الرأی العام والإرادة العامة لا یتشکلان إلا فی نطاق مجالا عاما له شروطه البنائیة ووضعه الخاص فی المجتمع . أضف إلى ذلک امتلاکه لعلاقات ذات طبیعة خاصة تربط بینه وبین المجتمع المدنی والدولة .وقد طالب هابرماس بتحریر الفضاء العمومی من کل العوائق الأیدولوجیة والأوهام سواء الوضعیة أو العلمویة أو المارکسیة وکفها عن الإدعاء الکلاسیکی بقدرتها علی إدراک الحقیقة لوحدها لأن الحقیقة أصبحت مسألة جماعیة تساهم فیها عدة أطراف مشارکة .

واستجابة لحاجة الاستکمال الحقوقی والقانونی لأخلاق المناقشة أعاد هابرماس بناء الحقوق من منظور الفعل التواصلی , فهو لم یأخذ بالمقاربة الحدثیة التی تقوم علی ماهو کائن  وتسعی نحو تحقیق الموضوعیة مستندة بصفة عامة إلی حیثیات الواقع الاجتماعی ومتجردة من کل منحی معیاری ما من شأنه أن یمنح القانون طابعا قسریا وإکراهیا . کما أنه لم یأخذ بالمقاربة المعیاریة لأنه یرفض التناول المعیاری الصرف للحقوق وهی نظریة تقوم علی ما یجب أن یکون مما یجعلها تعانی تهدیدا دائما بفقدان الاتصال بالواقع الاجتماعی وبعدم تحقیق إدعاءاتها بتأسیس دولة الحق وضمان الدیمقراطیة والحریات.

لم یأخذ هابرماس إذن بالعقل العملی ولا بالعقل الوظیفی , بل من منظور العقل التواصلی فالحق لم یعد مشتقا من الأخلاق أو من حالة طبیعیة مفترضة , بل هو مؤسس علی قواعد المناقشة والفهم المتبادل بین المواطنین بوصفهم شرکاء قانونیین واجتماعیین. وهو إجراء  یسمح بوضع القانون بطریقة عینیة تخول للمواطنین الاعتراف بالحقوق لبعضهم بعضا إذا ما أرادوا تسییر حیاتهم المعیشیة المشترکة , بصفة شرعیة وبوسائل القانون الوضعی.  إذن وفقا للمنظور التواصلی للحق یتخذ المواطن دور المشرع. فیتداول ویناقش ویقرر طریقه من الحقوق وبذلک یضفی علی مبدأ المناقشة أو الحوار الصورة القانونیة لمبدأ دیمقراطی..

أعاد هابرماس تأسیس مفهوم السلطة، وتحریر القانون من نفوذ نظریة السیادة من -منظور سوسیو قانونی – وذلک من خلال تولید السلطة التواصلیة وعبر آلیات المداولة والحوار،وترسیخ فهم القانون باعتباره متوسط بین الوقائع والمعاییر. وبالتالی تمکن من تجاوزالإجرائیة الشکلیة لصالح نظریة قانون مادیة ومرتبطة بالواقع الاجتماعی ومتغیراته. وقد ساهم الحوار من خلال المجال العام السیاسی أو البنیة التواصلیة أساسا مقبولا لإلزامیة القوانین بدون إکراهات إنضباطیة أو إلزام المجتمع بمعاییر أنتجت بمعزل عن الواقع. ولضمان سیرورة عقلانیة للخطاب فی دولة الحق ,اشترط هابرماس أن یکون جمیع ا"لأفراد فی الوضعیة المثالیة للکلام مستفیدین من شروط متساویة للتعبیر والتشاور حول القضایا المطروحة, ففی الوضع المثالی للکلام تطرح الحجج الأخلاقیة والقانونیة والعملیة للتشاور بین الذوات المعنیة وعلی أساس التشاور یتم ما أجمعوا علیه وتصبح ملزما أخلاقیا بما یضمن مصالح الجمیع ویحافظ علی العلاقات التذاوتیة کمصدر وحید للشرعنة فی المجتمع . لاشک أن تناول هابرماس مسألة الشرعیة والعدالة ووضعها علی صعید المناقشة والوصول إلی الإجماع, کانت محل نقد لاذع من جانب لیوتارد وتباین وإختلاف عن موقف الفیلسوف الأمریکى جو ن رولز . فقد رأی لیوتارد أن الإجماع لیس إلا حالة من حالات المناقشة ولیس غایة . بالإضافة إلی ذلک فإن الإجماع أصبح قیمة مشکوک فیها . إن ما یجب التأکید علیه فی مجتمعات الحداثة البعدیة هو مسألة العدالة ذلک أنه یتعین بأن الوصول إلی فکرة وممارسة العدالة لا تکون مرتبطة بفکرة وممارسة الإجماع .أما رولز فقد ربط العدالة بتوزیع الحقوق والواجبات فی المؤسسات الاجتماعیة الأساسیة وبواسطتها توصل الناس إلی توزیع صحیح للخیرات .أی عدالة توزیع الخیرات الطبیعیة والقضاء علی عدم التکافؤ.

 والحقیقة أنه رغم النقد الذی وجه لهابرماس بخصوص افتراضه حالة الحوار المثالیة من لیوتارد أو دیانا سى .موتز, مثلا حیث تعتقد أنها حالة غیر ممکن تحققها فی السیاقات الاجتماعیة المعاصرة ,إلا أنه مع ذلک  تظل لأفکار هابرماس أهمیتها الخاصة,فإذا کانت  اللیبرالیة قد أعلت من شأن الفرد علی الجماعة .فإن هابرماس اعتبر الفرد والجماعة مبدأین أساسین لا یجوز مقابلتهما ضدیا, ولکن یجب اعتبارهما ثنائیة أصلیة فی الدیمقراطیة . ولعله المنظور الذی تمکن به هابرماس من تجاوز الفکر اللیبرالی والمارکسی علی حد سواء. هذا فضلا عن أن هابرماس قد أعاد بناء نظریة القانون وتجاوز مفهوم الدیمقراطیة الدستوریة الإجرائیة.

وأخیرا الدیمقراطیة التداولیة هی بحق الخیار الثالث الذی یجب أن تبحث عنه ا لشعوب الرافضة للبدائل .

 

قائمة المصادر والمراجع

أولا: المصادر والمراجع الأجنبیة :

1-  Jurgen Habe r mas:, Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and Democrac y   (W. Rehg (trans.). Cambridge, MA: MIT Press. Second  printing, 1996 German.

2-      __________:Droit et Democratie presses de deliberative. Bjarne Melkevik.les luniversite Laval.canda.2010.

3-  _____________:  integration republicaine,    tr.Rochlitz( paris;editions fayard   1988  ).

4-  ___________:Moral Consciousness and Communicative Action, C. Le nhardt a    and S. W. Nicholsen (trans). Cambridge, MA: MIT Press(German,1983)

5-  ___________ :morale et communication       paris, 1986. (ed. Flammarion:

6-____________ :theory of communicative Action ,(trans.)Thomas McCarthy,Boston:Beacon press,1984)

7-_______________:The Structural Transformation of the Public Sphere: An Inquiry into a category of  Bourgeois Society. Trans. Thomas Burger with Frederick Lawrence. Cambridge, MA: MIT Press,1991.

8-______________: (1994).' three normative  models of democracy'in   Constellations International Journal of critical and Democratic Theory.vol.1,nol

9-Rawls,j.:Atheory of Justic.(published in1971 by,Harvard ,university,press-).

10-Adorno  and  Horkhaimer: dialect of enlightenment(new York: continuum 1972) (

11_Alan Mckee:the public sphere:an introduction,Cambridge university press,2005.

12-Barbier Mourice:la modedrnite politique(press universitaires de france,2001,)

13-Diana,c.mutz(2006)Hearing the other side deliberative   versus

14-D.Ducrot ett.Todorv,Dictionnaire En yclopediqe  dessciences du langage.paris1972)   .

15- Flynn: Communicative Power in Habermas’s Theory of Democrace Journal of Political Theory 3(4) (433–454).

16-   Hannah Arendt: On the Concept of Power’, in Philosophical–Political  Profiles, tr. Frederick  LawrenceCambridge, MA: MIT Press.(1983).

17- ___________:      Human condition, ,(Chicago  University of press,   1959  Theparticipatory democracy.(Cambridge  university, ress.2006.)

18  ____________:(1979)    on  violence, (New York: Harcourt  Braco.

19- J.cohen,Deliberation and  Democratic legitimacy in A.hamlinand  B. pettit,  eds., the good polity (oxford,1989.)

20-    J.coleman,(Modrnisation)  ,in encyclopedia of social science,vol,x.

21- J.thompson:theory of the public sphere ,Areview Article, theory clture,society,sage,London,1993, vol.10.

22- Maeve cooke: FIVe arguments for deliberative democracy. (political studies:2000 vol. 48,947-969 )

23 -Mccormick, J. P.: (1997 Max Weber and Jurgen Habermas:the sociology  and philosophy of Law  during  Crises of  the state (Yale  Journal of Law& Humanities,vol,9.

24- N. Bobbio ,the future of democracy trans .R.Griffin  (Cambridge,1987) .

25- ENCYCLOPEDIA   BRITANNICA, DELIBERATIVE DEMOCRACY (LAST  UPDATED.5-17-2016)     22232

26-  Stan ford encyclopedia of philosophy, 2007 http:/ Plato. Stan ford .  ed entries/max weber

27-htt:\\en.wikipedia.org\wiki \communicative action,p.1of3

 

ثانیا المصادر والمراجع العربیة :

1-  یورغن هابرماس : هابرماس :الحداثة وخطابها السیاسی ترجمة جورج تامر(دار النهار للنشر بیروت  ط الأولی2002).

2-  ___________: العلم والتقنیة کإیدیولوجیا ترجمة د/حسن صقر( ط الأولی –کولونیا ألمانیا 2003).

3-    ___________: القول الفلسفی للحداثة الترجمة العربیة د.فاطمة ألجیوشی (منشورات وزارة الثقافة، دمشق1995).

4-    أرماندو سلفاتور : المجال العام :الحداثة اللیبرالیة والکاثولیکیة والإسلام ,ترجمة أحمد زاید .المرکز القومی للترجمة القاهرة 2012

5-    أرنوسبیر :  أزمة الاتصال فی العالم الغربی ضمن کتاب نماذج من الفکر الفرنسی المعاصر .ترجمة کامیلیا صبحی. تقدیم وائل غالی (دار الثقافة للنشر والتوزیع القاهرة 1998 ). -.

6- أودینة سلیم : فلسفة التداولیات الصوریة وأخلاقیات المناقشة عند یورغن هابرماس

(رسالة ماجستیر –جامعة منتوری -2008-2009-الجزائر ).

7- الفلسفة السیاسیة المعاصرة : قضایا وإشکالیات(مجموعة باحثین ) إشراف د. خدیجة زیتلی - دار الأمان – الرباط –منشورات الاختلاف ط1.

8- جاک دریدا : الکتابة والاختلاف ترجمة کاظم جهاد  (دار طوبقال للنشر2000 ط2 المغرب).

9- جان فرانسوا لیوتار:االوضع مابعد الحداثی (ترجمة أحمد حسان ،القاهرة، دار شرقیات 1994).

10-جیمس جوردون فینلیسون : هابر ماس مقدمة قصیرة جدا ، ترجمة أحمد الروبی (ط1-2015).

11-    د.حسن مصدق :  النظریة النقدیة التواصلیة (ط الأولی  ، 2005، المرکز الثقافی العربی ، الدار البیضاء –المغرب  )

12- سالم یفوت : فلسفة التواصل عند هابر ماس (الشبکة العنکبوتیة ).

13- سلیتر فیل: مدرسة فرانکفورت نشأتها ومغزاها –وجهة نظر مارکسیة – ترجمة خلیل کلفت (القاهرة –المجلس الأعلى للثقافة المشروع القومی للترجمة عدد154  ط2-2004)   .

14-دانیلو مارتوشیلی :یورغن هابرماس : العقلنة والدیمقراطیة .ترجمة إبراهیم بومسهلی  (الشبکة العنکبوتیة  )

15- طلعت عبد الحمید وآخرون :الحداثة وما بعد الحداثة دراسات فی الأصول الفلسفیة للتربیة –القاهرة – مکتبة الأنجلو المصریة 2003).

16-    د.عبد الوهاب ألمسیری :العلمانیة الجزئیة والعلمانیة الشاملة (القاهرة :دار الشروق ط12002).

17- عمر کوش: ملخص کتاب تاریخ الجنون فی العصر الکلاسیکی -مشیل فوکو : ترجمة سعید بنکراد( الشبکة العنکبوتیة).

18- محمد الأشهب :یورغن هابرماس ورهن الفلسفة فی الفضاء العمومی (مجلة رهانات العدد 3-ربیع 2007).

19- محمد نور الدین أفایة :الحداثة والتواصل فی الفلسفة النقدیة المعاصرة (أفریقیا الشرق –الدار البیضاء –ط2-1998 ).    

20) د.محمد مزوز : أزمة الحداثة وعودة دیونیزوس(مجلة فکر ونقد  العدد 20 سبتمبر 1999).

 

 

 

 



([1]) Adorno and Horkhaimer: dialect of enlightenment (new York: continuum 1972) p.p. 4,16

([2]) د.عبد الوهاب ألمسیری :العلمانیة الجزئیة والعلمانیة الشاملة ص32 (القاهرة: دار الشروق ط1- 2002)

وکذلک انظر سلیتر فیل: مدرسة فرانکفورت نشأتها ومغزاها –وجهة نظر مارکسیة – ترجمة خلیل کلفت ص152(القاهرة – المجلس الأعلى للثقافة المشروع القومی للترجمة عدد154  ط2- 2004)

(*) الحداثة:

کانت کلمة الحداثة Moder nus  فی اللغة اللاتینیة تطلق على الشیء الطارئ  قریب العهد .

أما لفظة حداثة Moder nite : بحسب موریس باربی Mourice  Barbier    فإنها لم تبرز للتداول إلا فی سنة 1823إذ کانت تطلق ببساطة على کل ماهو حدیث ولذلک کانت تنطبق على الفترة  المعاصرة فی الغرب بما تحمله من دلالات التقدم فی جمیع المیادین وهی بذلک تتعارض مع کل ما یمت بصلة إلى الماضی لأن الماضی یعد تجسیدا لکل ماهو قدیم=

See:Barbier Mourice:la modedrnite politique(press universitaires de france,2001,p.1)   = )

ویطلق مصطلح الحداثة بوجه عام :

على مسیرة المجتمعات الغربیة منذ عصر النهضة إلى الیوم ویشمل الترشید الاقتصادی والدیمقراطیة السیاسیة والعقلانیة فی التنظیم الاجتماعی . وأرتبط هذا المصطلح بوصفه حرکة اجتماعیة شاملة الخروج من العصور الوسطی المسیحیة وانتقل إلى المجتمعات الرأسمالیة التی تتسم بالتجدید والتحدیث وصاحب عملیات العلمنة والعقلانیة والفردیة والتمایز الثقافی ورافق التصنیع وانتشار العمران  وانتقل بالمجتمعات الأوربیة فی شکلها ومضمونها من مرحلة عصور الضعف وما تحمله من إرث ثقافی وسیاسی واجتماعی ودینی إلى مرحلة تجاوزت فیها نمط الفکر والحیاة والمجتمع والدولة الذی کان سائدا فیها مدة من الزمن (طلعت عبد الحمید وآخرون :الحداثة وما بعد الحداثة دراسات فی الأصول الفلسفیة للتربیة ص162 –القاهرة –مکتبة الأنجلو المصریة 2003).

وعرفها آخرون بأنها:

 ممارسة السیادات الثلاث عن طریق العلم والتقنیة :السیادة على الطبیعة والسیادة على المجتمع والسیادة على الذات . ناهیک عن عدها قطعا للصلة بکل  ما هو  تراثی وقدیم  وإنشاء عالم جدید کلیا فزمنها زمن متجه نحو المستقبل وعصرها هو العصر الذی یختل فیه التوازن بین الماضی والمستقبل  یحیا به وینفتح على الجدید الأتی لا یستمد معیاریته وقیمته من عصور ماضیة بل یستمد معیار یته من ذاته  من خلال تحقیق القطیعة الجذریة مع التراث والقدیم (هابر ماس : القول الفلسفی للحداثة : ترجمة  فاطمة ألجیوشی ص 7,8)

فرغم الانتصارات الهائلة التی حقّقتها الحداثة الغربیة بفضل العقلانیة ومبادئها، ورغم غناها الفکری والمعرفی، والتقدّم العلمی والتقنی الهائل، فإنّه "یمکن الجزم بأنّ هذا الانتصار قد انحرف عن مساره، وأدى إلى نقیض مقصوده، ولا أدلّ على ذلک من أنّ هذه العقلانیة التی بشّرت الإنسان بعالم تسوده الطمأنینة والسعادة، هی التی أدّت إلى تدمیره، فتحّولت هی وتطبیقات العلم التکنولوجیة إلى عار على الحضارة الغربیة، بعدما کانت مجداً وشرفاً لها، کما یقول بول فالیری؛ الأمر الذی ولّد لدى هذا الإنسان حالة من الیأس والشک فی مبادئ عصر التنویر، ومشروع الحداثة بجمیع قیمه وأسسه، بما فی ذلک مقولات العقل، والعلم، والتقدّم،

والتحرّر." (على صدیقی :الأزمة الفکریة العالمیة –نحو نموذج قرآنی بدیل –مجلة إسلامیة المعرفة –ص 25عدد 59-1431-2010م). لقد أدّت الأقانیم الثلاثة للحداثة ممثّلة فی مفاهیم العقلانیة، والتقدم، والذاتیة إلى فجائع الإنسانیة بوتیرة متزایدة، الأمر الذی أدّى بکثیرین ولا سیما  تیار ما بعد الحداثة إلى نقدها ، وإلى القول: بأنّ الحداثة لم یعد لها مسوّغ فی الوجود، وکان لا بدّ من إعلان نهایتها، ومن ثمّ، لیس من أجل الدخول فی عالم جدید، بل لا بدّ من الدعوة إلى انهیار السردیات الکبرى بحسب تعبیر "لیوتار"، ولکن لیس من أجل إنشاء أخرى مکانها، وإنّما من   أجل جعل الواقع الذی نعیشه أکثر واقعیة.(جان فرانسوا لیوتار:الوضع مابعد الحداثی :ترجمة أحمد حسان ,القاهرة ص23 ,24, دار الشرقیات 1994).

خلاصة القول:أن مسیرة الحداثة قد أصبحت الآن محل مراجعة من جانب الفکر الغربی نفسه وبدأ التبشیر بدخول العالم مرحلة مابعد الحداثة .وإذا کان  من سمات الفکر مابعد الحداثی :التفکیک والتقویض وتحطیم المقولات المرکزیة الکبرى  التی هیمنت على الثقافة الغربیة من أفلاطون إلى یومنا هذا فهل سار هابر ماس فی هذا الاتجاه أم أنه أختط لنفسه طریقا أخر لإنقاذ العقلانیة الغربیة من براثن العدمیة والضیاع ؟ هذا ماسوف یتضح لنا.

([4]) هابرماس :القول الفلسفی للحداثة -الترجمة العربیة- د. فاطمة ألجیوشی ص159

([5]) المرجع السابق ص162 – 163

([6]) المرجع السابق ص165 – 167

([7]) عمر کوش: ملخص کتاب تاریخ الجنون فی العصر الکلاسیکی -مشیل فوکو : ترجمة سعید بنکراد الشبکة العنکبوتیة

([8]) د.محمد مزوز :أزمة الحداثة وعودة دیونیزوس (مجلة فکر ونقد  العدد 20 سبتمبر 1999)

([9]) جاک دریدا :الکتابة والاختلاف ترجمة کاظم جهاد ص60 (دار طوبقال للنشر2000 ط2 المغرب)

([10]) د.محمد مزوز: مرجع سابق.

([11]) هابرماس :القول الفلسفی للحداثة ترجمة د.فاطمة الجیوشی ص330

([12]) جیمس جوردون فینلیسون : هابر ماس مقدمة قصیرة جدا ، ترجمة أحمد الروبی ص78 (ط20151)

([13]) هابرماس: الحداثة وخطابها السیاسی: ترجمة جورج تامر ص23-24 (دار النهار للنشر بیروت ط الأولی 2002)

([14]) Stan ford encyclopedia of philosophy, 2007    . http:/ Plato. Stan ford .  edu/ entries/max weber

وکذلک أنظر :القول  الفلسفی للحداثة ص 7

([15]) Stan ford encyclopedia of philosophy, 2007   . http:/ Plato. Stan ford .  edu/ entries/max weber

([16]) یورغن هابرماس :القول الفلسفی للحداثة ترجمة د/فاطمة الجیوشی ص9

([17]) یورغن هابرماس :المقال الفلسفی للحداثة ترجمة د/فاطمة الجیوشی ص9-10

([18]) J. coleman, (Modrnisation), in encyclopedia of social science, vol. x, p. 386.

([19]) القول الفلسفی للحداثة  : ص13

([20]) المرجع ذاته ص16

([21]) یورغن هابرماس : القول الفلسفی للحداثة ترجمة د/فاطمة الجیوشی ص516

([22]) محمد نور الدین أفایة :الحداثة والتواصل فی الفلسفة النقدیة المعاصرة ص87

([23]) یورغن هابرماس : القول الفلسفی للحداثة ترجمة د/فاطمة الجیوشی ص46

([24]) 

([25]) حسن مصدق: مرجع سابق ص109

([26]) یورغن  هابرماس : القول الفلسفی للحداثة ترجمة د/فاطمة الجیوشی ص462

([27]) یورغن  هابرماس : القول الفلسفی للحداثة ترجمة د/فاطمة الجیوشی ص454

([28]) یورغن  هابرماس:العلم والتقنیة کإیدیولوجیا ترجمة د/حسن صقر ص14-15

([29]) المرجع السابق ص 14

([30]) یورغن  هابرماس : القول الفلسفی للحداثة ترجمة د/فاطمة الجیوشی ص455-456

([31]) المرجع السابق ص 496

([32]) أودینة سلیم: فلسفة التداولیات الصوریة وأخلاقیات المناقشة عند یورغن هابرماس ص 35 (رسالة ماجستیر – جامعة منتوری -2008-2009-الجزائر ).

([33]) Jurgen Habermas: On the Pragmatics of communication, B. Fultner (trans.) Cambridge MA: MIT press.1991

([34]) Jurgen Habermas: On the Logic of the Social Sciences, S. W. Nicholsen  and J. A. Stark (trans.). Cambridge, MA: MIT Press. [German, 1967](English trans.1988) p.419

([35]) أرنوسبیر :أزمة الاتصال فی العالم الغربی ضمن کتاب نماذج من الفکر الفرنسی المعاصر .ترجمة کامیلیا صبحی. تقدیم وائل غالی . (دار الثقافة للنشر والتوزیع القاهرة 1998 ) ص263

([36]) http:\\en.wikipedia.org\wiki\communicative action,p.1of3

([37]) Jurgen  Habermas :theory of communicative Action ,(trans.)Thomas McCarthy, Boston: Beacon press,1984,p86

([38]) Ibid, p.95

([39]) لمزید من الاطلاع ارجع إلى: د. کرو وتودروف

D.Ducrot ett.Todorv,Dictionnaire En yclopedique  des sciences du langage.paris1972,pp424- 427

([40]) Jurgen Habermas: on the logic of the social sciences, p.280-285

([41]) محمد نور الدین أفایة :الحداثة والتواصل فی الفلسفة النقدیة المعاصرة ص191(أفریقیا الشرق –الدار البیضاء –ط2-1998)

([42]) F. J. Davis: discourse ethics and ethical realism, p. 244.

([43]) د. سالم یفوت: فلسفة التواصل عند هابر ماس (الشبکة العنکبوتیة)

([44]) Moral Consciousness and Communicative Action, C. Le nhardt a and S. W. Nicholsen (trans.) Cambridge, MA: MIT Press (German, 1983)

([45]) محمد نور الدین أفایة: الحداثة والتواصل فی الفلسفة النقدیة المعاصرة، ص206

([46]) Jurgen Habermas: integration republicaine, tr. Rochlitz (paris; editions fayard 1988) p. 259

([47]) Ibid, p. 261

([48]) Jurgen  Habermas (1994).' three normative  models of democracy'in   Constellations International Journal of critical and Democratic Theory. vol. 1, nol, p. 2

([49]) Ibid, p. 2

([50]) Jurgen Habermas (1994):  integration republicaine, tr. Rochlitz (Paris; editions fayard, 1988) p. 262

([51]) Jurgen Habermas (1994).' three normative  models of democracy 'in Constellations International Journal of critical and Democratic Theory. vol. 1, nol, p. 3

([52]) Ibid,p.3

([53]) Ibid,p.3,4

([54]) الفلسفة السیاسیة المعاصرة : قضایا وإشکالیات(مجموعة باحثین ) إشراف د. خدیجة زیتلی ص:  158 - دار الأمان – الرباط – منشورات الاختلاف ط1-2014

(*)    الدیمقراطیة التشاوریة :

من التعبیرات الحدیثة فی الفکر الدیمقراطی مفهوم الدیمقراطیة التشاوریة . ویقصد بمفهوم الدیمقراطیة التشاوریة أو التشارکیة أو التداولیة إحیاء تقالید المناقشة والتفکیر التأملی بین أعداد کبیرة من المواطنین حول القضایا العامة حتی یتم التعرف على رأیهم فیها وعرض ما یتم التوصل إلیه من آراء على المشرعین وأصحاب القرار .

وبعبارة أخری :تشیر الدیمقراطیة التشاوریة إلى مفهوم  الحکومة الدیمقراطیة التی تضمن مکانا مرکزیا ومحوریا للمناقشة المنطقیة الاستدلالیة المؤیدة بالحجج والأدلة المقنعة فی الحیاة السیاسیة.

See :Maeve cooke,:FIVE arguments for deliberative democracy. (political studies:2000 vol. 48,947-969)

من رواد هذا المفهوم د.جیمس فیشکین أستاذ الإعلام والاتصالات بجامعة ستانفورد الأمریکیة . وظل هذا المفهوم محصورا فی دوائر المتخصصین حتى أشار إلیه هابر ماس فی عامی 1994و1996وجیمس رولز فی عام 1997وأوضحا أهمیته فاکتسبا دعما أکادیمیا ونشأ عدد من المراکز البحثیة المتخصصة فی الموضوع منها على سبیل المثال فی الولایات المتحدة مرکز المشاورة العامة بجامعة کلورادو  ومرکز الدیمقراطیة التشاوریة  بجامعة ستانفورد ومرکز المشاورة الدیمقراطیة والحکم العالمی بالجامعة الاسترالیة الوطنیة .

أما عن الأفکار الأساسیة المرتبطة بمفهوم الدیمقراطیة التشاوریة فتتمثل فی :عدم السیطرة ، والمشارکة الواسعة لکل المتأثرین ،والمشاورات العامة ،واستجابة السلطة المعنیة لنتائج المشاورات ووجود أجهزة للدولة والمجتمع یحکم أمورها التشاور العام بین أعضائها . وذهب رأی آخر إلى أن الدیمقراطیة التشاوریة تتضمن خمسة عناصر أساسیة تبدأ من المعرفة وتنتهی بالتمکین  وتشمل :علم inform وتشاورconsult وأشرک  participate وتعاون collaborateومکن empower الجمهور العام المهتم بموضوع المشاورة .

SEE:ENCYCLOPEDIA BRITANNICA, DELIBERATIVE DEMOCRACY(LAST UPDATED. 5-17-2016)

([55]) Jurgen Haber mas: Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and Democracy, p. 296 (W. Rehg (trans.) Cambridge, MA: MIT Press. German,

([56]) Ibid, p.297

([57]) Jurgen Habe r mas:, Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and Democracy,  p.298 .

([58]) Ibid, p. 298.

([59]) Jurgen Haber mas: Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and Democracy, p. 298.

([60]) Ibid ,p.299

([61]) N. Bobbio ,the future of democracy trans .R.Griffin  (Cambridge,1987) p.24

([62]) Ibid, p. 24

([63]) Ibid, p. 56

([64]) N.Bobbio ,the future of democracy trans .R. Griffin  (Cambridge,1987) p40

([65]) Jurgen Habe r mas :, Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and  Democrac yp.304

([66]) Ibid,p.304

([67]) J. Cohen, Deliberation and Democratic legitimacy in A. Hamlin and B. Pettit, eds., the good polity (oxford, 1989) p. 22

([68]) Ibid, p. 23

([69]) Ibid, p. 23

([70]) Ibid, p. 27

([71]) Jurgen Haber mas: Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and  Democracy, p. 306

(*) یقدم هابرماس رؤیة لفهم العالم المعاصر من خلال التعریف الجدید الذی یراه منشطرا إلى عالمین :الأول یخص العالم المعیش الذی تقوم بنیاته علی اللغة والتواصل .

والثانی یخص عالم الأنساق الذی یخضع بالأساس للعقلنة الحسابیة التی تتمیز بالوظیفیة والأداتیة والفعالیة وهذه الفجوة تقسمه إلی شطرین  عالم الأنساق والعالم المعیش . فاللغة تلعب دور التواصل فی العالم المعیش واالنسق مجال العقلنة الحسابیة والأداتیة المحیطة به . وعلی الرغم من أن اللغة کانت دائما وسیطا رمزیا بإمتیاز  لکن لا یمکنها الأن التنسیق بین جمیع الأفعال الأنسانیة لذلک حلت محلها الأنساق فی العدید من مناحی الحیاة.

See: Jurgen Habermas: Theory of communicative Action, p. 282.

([72]) دانیلو مارتوشیلی: یورغن هابرماس: العقلنة والدیمقراطیة. ترجمة إبراهیم بومسهلی (الشبکة العنکبوتیة).

([73]) Jurgen Habe r mas:, Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and Democrac y p.p.300,359

([74]) ___________:Droit et Democratie presses de deliberative. Bjarne Melkevik.les luniversite Laval.canda.2010.p.386.

([75]) __________. The Structural Transformation of the Public Sphere: An Inquiry into a category of Bourgeois Society. Trans. Thomas Burger with Frederick Lawrence. Cambridge, MA: MIT Press,1991p.176 

([76]) Jurgen Habermas. The Structural Transformation of the Public Sphere: An Inquiry into a category of Bourgeois Society. Trans. Thomas Burger with Frederick Lawrence. Cambridge, MA: MIT Press,1991p.185

([77]) Ibid.

([78]) J. Thompson: theory of the public sphere, Areview, Article, theory clture,society,sage,London,1993, vol. 10, p. 176

([79]) أرماندو سلفاتور :المجال العام: الحداثة اللیبرالیة والکاثولیکیة والإسلام ,ترجمة أحمد زاید .المرکز القومی للترجمة القاهرة 2012

([80]) Alan Mckee: The public sphere: an introduction, Cambridge university press, 2005

([81]) J. Thompson: theory of the public sphere, A review, Article, theory culture, society, sage, London, 1993, vol. 10, p. 177

([82]) Jurgen Haber mas:, Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and  Democracy,  p.307

([83]) Flynn: Communicative Power in Habermas’s Theory of Democrace Journal of Political Theory 3 (4) 433–454, p. 441

([84]) Jurgen Habermas:Droit et Democratie presses de deliberative. p. 396.

([85]) ___________:The Structural Transformation of the Public Sphere: An Inquiry into a category of  Bourgeois Society. Trans. Thomas Burger with Frederick Lawrence. Cambridge, MA: MIT Press,1991,p.401

([86]) Jurgen Haber mas:, Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and  Democracy. p. 84.

([87]) Ibid, p. 99

([88]) Jurgen Haber mas: Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and  Democracy. P. 84.

([89]) Ibid, p. 99

([90]) Ibid, p. 104

([91]) Jurgen Haber mas: Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and  Democracy.p.127

([92]) Ibid.

([93]) Jurgen Haber mas:, Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and  Democracy.p.128

([94]) Jurgen Haber mas:, Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and  Democracy.p.128

(*) الشرعیة Legitimacy من حیث التعریف یکاد یکون هناک اتفاق علی معناها وهو "الحق فی ممارسة السلطة ".أی من حق القائمین علی السلطة أن یصدروا الأوامر ویسنوا القوانین وعلی المواطنین الانصیاع لهذه القوانین وعدم الخروج علیها وإلا تعرضوا لعقوبات قانونیة . وإذا کانت الشرعیة تعنی قبول المحکومین بحق القائمین علی السلطة بممارسة هذه السلطة فإن المشروعیةLegality تعنی ضرورة إلتزام القائمین علی السلطة بالدستور والقانون. فإذا رأی المحکومین أن القائمین علی السلطة یغتصبون هذه السلطة ولا یحق لهم ممارسة السلطة فقد نظام الحکم شرعیته .أما إذا لم یلتزم الحاکم بالدستور والقانون یفقد نظام الحکم مشروعیته . 

وتتعدد مصادر الشرعیة منها : مصادر تقلیدیة (دینیة ,قبلیة ,عائلیة )أی أن ما یجعل المحکومین یقبلون بسلطة الفرد أو المجموعة الحاکمة هی أسباب ترتبط بثقافة وعادات وتقالید ودین المجتمع . الکاریزما : حیث تعتمد شرعیة النظام علی کاریزما القائد البطل الملهم المفوه الذی یستطیع السیطرة علی الجماهیر ویقودهم إلی حیث یرید وهم له متبعین ومعترفین بحقه فی القیادة ولکن یظل هذا المعیار محل جدل وخلاف حول معنی الکاریزما . مصادر عقلانیة بیروقراطیة قانونیة : حیث ترتبط شرعیة النظام الحاکم بالنظام القانونی للدولة ووصول الحاکمین إلی السلطة بطرق قانونیة دستوریة والتزامهم بالدستور والقانون بعد تولیهم للسلطة . وهذا المصدر هو الذی أولاه هابرماس عنایة خاصة وهو بصدد الحدیث عن الشرعیة السیاسیة

([96]) Jurgen Haber mas:, Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and  Democracy. p.136.-137

([97]) Jurgen Haber mas:, Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and Democracy. p. 146

([98]) Ibid, p .146.

([99]) Flynn: Communicative Power in Habermas’s Theory of Democracy Journal of Political Theory 3(4) 433–454,p.443

([100]) Jurgen Haber mas:, Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and  Democracy, p.146

([101]) Hannah Arendt: On the Concept of Power’, in Philosophical–Political Profiles, tr. Frederick  Lawrence,p.41  (Cambridge, MA: MIT Press.(1983)

([102]) Hannah Arendt: (1979) on violence, p. 44 (New York: Harcourt Braco & co 1959 The Human condition, p.200, (Chicago University of press).

([103]) Jurgen Haber mas:, Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory Democracy. P. 148

([104]) Mccormick,J.P.:(1997 Max Weber and Jurgen Habermas:the sociology  and philosophy of Law  during  Crises of  the state (Yale  Journal of Law& Humanities,vol,9,p.302,303

([105]) د.حسن مصدق: النظریة النقدیة التواصلیة (ط الأولی، 2005، المرکز الثقافی العربی ، الدار البیضاء –المغرب)

([106]) Habermas: Droit et Democratie presses de deliberative. Bjarne Melkevik.les luniversite Laval.canda.2010.p. 130

([107]) دانیلو مارتوشیلی :یورغن هابرماس: العقلنة والدیمقراطیة. ترجمة إبراهیم بومسهلی  (الشبکة العنکبوتیة).

([108]) جان فرانسوا لیوتار:االوضع مابعد الحداثی ص 106(ترجمة أحمد حسان (القاهرة) دار شرقیات 1994

([109]) Rawls, j.: A Theory of Justice. (Published in1971 by Harvard university, press) P.64

([110]) Maeve cooke: FIVE arguments for deliberative democracy. (Political studies: 2000 vol. 48,947-969)

قائمة المصادر والمراجع
أولا: المصادر والمراجع الأجنبیة :
1-  Jurgen Habe r mas:, Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and Democrac y   (W. Rehg (trans.). Cambridge, MA: MIT Press. Second  printing, 1996 German.
1-      __________:Droit et Democratie presses de deliberative. Bjarne Melkevik.les luniversite Laval.canda.2010.
3-  _____________:  integration republicaine,    tr.Rochlitz( paris;editions fayard   1988  ).
4-  ___________:Moral Consciousness and Communicative Action, C. Le nhardt a    and S. W. Nicholsen (trans). Cambridge, MA: MIT Press(German,1983)
5-  ___________ :morale et communication       paris, 1986. (ed. Flammarion:
6-____________ :theory of communicative Action ,(trans.)Thomas McCarthy,Boston:Beacon press,1984)
7-_______________:The Structural Transformation of the Public Sphere: An Inquiry into a category of  Bourgeois Society. Trans. Thomas Burger with Frederick Lawrence. Cambridge, MA: MIT Press,1991.
8-______________: (1994).'' three normative  models of democracy''in   Constellations International Journal of critical and Democratic Theory.vol.1,nol
9-Rawls,j.:Atheory of Justic.(published in1971 by,Harvard ,university,press-).
10-Adorno  and  Horkhaimer: dialect of enlightenment(new York: continuum 1972) (
11_Alan Mckee:the public sphere:an introduction,Cambridge university press,2005.
12-Barbier Mourice:la modedrnite politique(press universitaires de france,2001,)
13-Diana,c.mutz(2006)Hearing the other side deliberative   versus
14-D.Ducrot ett.Todorv,Dictionnaire En yclopediqe  dessciences du langage.paris1972)   .
15- Flynn: Communicative Power in Habermas’s Theory of Democrace Journal of Political Theory 3(4) (433–454).
16-   Hannah Arendt: On the Concept of Power’, in Philosophical–Political  Profiles, tr. Frederick  LawrenceCambridge, MA: MIT Press.(1983).
17- ___________:      Human condition, ,(Chicago  University of press,   1959  The participatory democracy.(Cambridge  university, ress.2006.)
18  ____________:(1979)    on  violence, (New York: Harcourt  Braco.
19- J.cohen,Deliberation and  Democratic legitimacy in A.hamlinand  B. pettit,  eds., the good polity (oxford,1989.)
20-    J.coleman,(Modrnisation)  ,in encyclopedia of social science,vol,x.
21- J.thompson:theory of the public sphere ,Areview Article, theory clture,society,sage,London,1993, vol.10.
22- Maeve cooke: FIVe arguments for deliberative democracy. (political studies:2000 vol. 48,947-969 )
23 -Mccormick, J. P.: (1997 Max Weber and Jurgen Habermas:the sociology  and philosophy of Law  during  Crises of  the state (Yale  Journal of Law& Humanities,vol,9.
24- N. Bobbio ,the future of democracy trans .R.Griffin  (Cambridge,1987) .
25- ENCYCLOPEDIA   BRITANNICA, DELIBERATIVE DEMOCRACY (LAST  UPDATED.5-17-2016)     22232
26-  Stan ford encyclopedia of philosophy, 2007 http:/ Plato. Stan ford .  ed entries/max weber
27-htt:en.wikipedia.orgwiki communicative action,p.1of3
 
ثانیا المصادر والمراجع العربیة :
1-  یورغن هابرماس : هابرماس :الحداثة وخطابها السیاسی ترجمة جورج تامر(دار النهار للنشر بیروت  ط الأولی2002).
2-  ___________: العلم والتقنیة کإیدیولوجیا ترجمة د/حسن صقر( ط الأولی –کولونیا ألمانیا 2003).
2-    ___________: القول الفلسفی للحداثة الترجمة العربیة د.فاطمة ألجیوشی (منشورات وزارة الثقافة، دمشق1995).
3-    أرماندو سلفاتور : المجال العام :الحداثة اللیبرالیة والکاثولیکیة والإسلام ,ترجمة أحمد زاید .المرکز القومی للترجمة القاهرة 2012
4-    أرنوسبیر :  أزمة الاتصال فی العالم الغربی ضمن کتاب نماذج من الفکر الفرنسی المعاصر .ترجمة کامیلیا صبحی. تقدیم وائل غالی (دار الثقافة للنشر والتوزیع القاهرة 1998 ). -.
6- أودینة سلیم : فلسفة التداولیات الصوریة وأخلاقیات المناقشة عند یورغن هابرماس
(رسالة ماجستیر –جامعة منتوری -2008-2009-الجزائر ).
7- الفلسفة السیاسیة المعاصرة : قضایا وإشکالیات(مجموعة باحثین ) إشراف د. خدیجة زیتلی - دار الأمان – الرباط –منشورات الاختلاف ط1.
8- جاک دریدا : الکتابة والاختلاف ترجمة کاظم جهاد  (دار طوبقال للنشر2000 ط2 المغرب).
9- جان فرانسوا لیوتار:االوضع مابعد الحداثی (ترجمة أحمد حسان ،القاهرة، دار شرقیات 1994).
10-جیمس جوردون فینلیسون : هابر ماس مقدمة قصیرة جدا ، ترجمة أحمد الروبی (ط1-2015).
11-    د.حسن مصدق :  النظریة النقدیة التواصلیة (ط الأولی  ، 2005، المرکز الثقافی العربی ، الدار البیضاء –المغرب  )
12- سالم یفوت : فلسفة التواصل عند هابر ماس (الشبکة العنکبوتیة ).
13- سلیتر فیل: مدرسة فرانکفورت نشأتها ومغزاها –وجهة نظر مارکسیة – ترجمة خلیل کلفت (القاهرة –المجلس الأعلى للثقافة المشروع القومی للترجمة عدد154  ط2-2004)   .
14-دانیلو مارتوشیلی :یورغن هابرماس : العقلنة والدیمقراطیة .ترجمة إبراهیم بومسهلی  (الشبکة العنکبوتیة  )
15- طلعت عبد الحمید وآخرون :الحداثة وما بعد الحداثة دراسات فی الأصول الفلسفیة للتربیة –القاهرة – مکتبة الأنجلو المصریة 2003).
16-    د.عبد الوهاب ألمسیری :العلمانیة الجزئیة والعلمانیة الشاملة (القاهرة :دار الشروق ط12002).
17- عمر کوش: ملخص کتاب تاریخ الجنون فی العصر الکلاسیکی -مشیل فوکو : ترجمة سعید بنکراد( الشبکة العنکبوتیة).
18- محمد الأشهب :یورغن هابرماس ورهن الفلسفة فی الفضاء العمومی (مجلة رهانات العدد 3-ربیع 2007).
19- محمد نور الدین أفایة :الحداثة والتواصل فی الفلسفة النقدیة المعاصرة (أفریقیا الشرق –الدار البیضاء –ط2-1998 ).    
20) د.محمد مزوز : أزمة الحداثة وعودة دیونیزوس(مجلة فکر ونقد  العدد 20 سبتمبر 1999).